22 مارس، 2026

التّهديد و التّهديد المضادّ..

 



ارتفاع و تيرة القصف الإيراني،بعد استهداف التحالف الأمريكي الصهيوني لمفاعل نطنز، و الصواريخ النوعية الإيرانية، و ما أحدثته في ديمونة و عراد،من رعب و دمار، و تهديد ترامب بقصف منشآت الطاقة في إيران، إذا لم تفتح مضيق هرمز، أمام حركة الملاحة الدولية، و تهديد إيران بالرّد القوي، و خطاب الانتقام، و سياسة العين بالعين، و ما قد ينشأ عن هذه التّهديدات حين تنفيذها، من انهيار كبير في الدّول و في تغيير الخرائط، و في السياسات و الاقتصاد...

كلّ هذا التصعيد الذي لا يفتأ يتصاعد و يزداد، قد يكون بداية انزلاق كبير، لحرب إقليميّة كبرى، تفتح الباب لصراعات أخرى كبرى، تشارك فيها الدّول النّووية، أو قد يكون،في المقابل، بداية التّخفيض و التّهدئة، و نزع فتيل الحرب الكبرى المحتملة، و إطفاء النّيران التي قد تلتهم الجميع.


21 مارس، 2026

للصّائم فرحتان...


يحظَى الصّيام،بين سائر العبادات، بالمكانة الخاصّة و الدّرجة العُليا.و سبب هذه الحظوة، أنّ الله ربط الصّيام بذاته العَليّة: (...الصّيام لي و أنا أَجزي به ).

و قد قيل في سبب نسبة الصّيام إلى الله، و إضافته إليه، معانٍ كثيرة من بينها: أنَّ الصيام هو امتناعٌ عن شهوات النّفس، و تجاوز لنداءاتها القاهرة، و استعلاء على صَيحات الجسد القويّة، في أيّام معدودات، وَفق نظام معيَّن و توقيت معلوم.و حين يمتنع الإنسان المؤمن عن شهواته، و يقاوم نداءها،طاعةً لله، و هو قادرٌ على تلبية هذا النّداء، فإنّ ذلك يكون عنوانًا على صحّة إيمانه، وإخلاص عبادته.و من ثَمَّ فإنّ الله تعالى يتقبّل عمله، و يَنسبه لذاته العَليّة، من بين سائر أعماله.و هذا الأمر لا يوجد في عبادة أخرى غير الصّيام.

 و لمّا كان الصّيام بهذه المكانة العظيمة، و هذا القَدْر الجليل، فقد جعل الله لصائمه،كما ورد في الصّحيحَين، و في غيرهما، فرحتَين اثنتين: ( فرحةٌ حين يُفطر و فرحةٌ حين يَلقَى ربَّه...).

هما،إذن، فرحتَان اثنتان: إحداهما معجَّلة، و الأخرى مؤجَّلة. فأمّا الفرحة المعجَّلة، فهي فرحته بإفطاره، و أمّا الفرحة الأخرى المؤجَّلة، فهي فرحته بصومه حين يلقَى الله.

فأمّا الفرحة الأولى المعجَّلة، فقد أشار إليها ابن رجب الحنبلي، في كتابه ( لطائف المعارف في ما لمواسم العام من وظائف ) حين قال: « أمّا فرحة الصّائم عند فطره، فإنّ النّفوس مَجْبولة على المَيل إلى ما يلائمها، من مَطعم ومَشرب ومَنكح.فإذا مُنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثمّ أُبيح لها في وقت آخر، فَرحت بإباحة ما مُنعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه.فإنّ النّفوس تفرح بذلك طبعًا...».

 فرحة الصّائم،إذن، سببُها ما يحصل عليه بالإباحة، من أمور هي حبيبة إلى النّفس، كالطّعام و الشّراب و المَنكح.و هي من الوظائف الحيويّة التي يتوقّف عليها وجود الإنسان، و نموّه و استمرار حياته.و هذه الفرحة ،أيضًا، إنّما يُنشئها،أو يُضاعفها، زوالُ المَنع فيُدرك الصّائم ما مُنع منه فإنّه،حينئذ، يفرح بإدراكه لهذا الممنوع، لأنّ المنع كان في أمر حبيب إلى النّفس، كالطّعام و الشّراب، و أحبّ شيء إلى الإنسان ما مُنِعَه.

و يمكنني أن أضيف،في تواضع و وَجَل، سببًا آخر لهذه الفرحة المعجَّلة، خلاصتُه أنّ الإنسان المؤمن قد يحقّق في عبادة الصّيام أمرَين جَليلَين، و جانبَين عظيمَين، و هما: الجانب العِباديّ الذي خُلق له، و هو مناط تكليفه و ابتلائه، و يحقّق،في الوقت نفسه، الجانب الإنسانيّ حين تسيطر رُوحه على جسده، و تتصاعد إرادتُه، فيمتنع،حرًّا مُريدًا لا تابعًا مُكرَهًا، عن طعامه و شرابه، و سائر شهواته و لذّاته التي ألِفَها أزمانًا، و اسْتنام لها مُددًا و أوقاتًا،و يخرج،طاعةً لربّه و انقيادًا له، من سجن عاداته اليوميّة القاهرة، و ضغط مطالبه المَألوفة.و كلّ أولئك هو تجسيد للإرادة الفعّالة، و ارتفاع عن دَرَكات الحيوانيّة، و تحقيق ظاهر لدرجات الإنسانيّة الفائقة.

 الفرحة المعجَّلة يوم الفطر،إذنْ، سَببُها نجاحُ الصّائم في تحقيق عبوديّته،في أيّام معدودات، وَفق نظام معيَّن، و توقيت معلوم.و نجاحُه،أيضًا، في تحقيق إنسانيّته، في عبادة الصّيام بالانتصار على النّفس، و التّحكم في مطالبها المتعاقبة، و تكبيل نزواتها الآنيّة.و هذان الأمران كلاهما مقصودان مجموعًا و استقلالاً، في امتحان رمضان و في غيره.

 أمّا فرحة الصّائم الأخرى المؤجَّلة، فهي فرحُه بصومه حين يلقَى الله، و ما أعدّه الله له من الثّواب و المزيّة و السَّبق.و لكنّ هذه الفرحة المؤجَّلة ما هي أوصافها ؟ و كيف تكون ؟ و هل هي فرحة كفرحة الدّنيا، أم هي فرحة أخرى، لها طَعْمها و وَقعُها و سرُّها...؟ و كيف يعيشها الصّائم ؟ و كيف يكون شعوره، حين يتحقّق هذا اللّقاء المَهيب، في عالم الأرواح و الملكوت...؟

إنّنا لا نعلم شيئًا عن هذه الفرحة، و لا نحيط بوصف واحد من أوصافها، لأنّها فرحةٌ نَسيجُ وَحْدِها، و هي ممّا أُخفِي من المسرّات للصّائمين.و لكنّ مجرّد التّفكير في هذا الأمر، و إطلاق الخيال لمتابعته، و محاولة تصوّره، ينقلنا إلى هذه العوالم العُلويّة القُدسيّة الأبديّة التي تَزهو فيها النّفوس فتَنتَشي، و ترقص الأرواح فتفرح و تتباهَى، و حقَّ لها أن ترقص، و أن تفرح و تزداد.

  

لماذا اغتيال القادة السّياسيّين و العسكريّين، في إيران...؟

 


مسلسل اغتيال القادة السّياسيّين و العسكريّين الإيرانيّين، هل هو مقدّمة لنتيجة،أو نتائج، مرتقبة ؟

قد يكون كذلك.و هذه الاغتيالات ،حين تتصاعدت وتتّسع دائرتُها، قد تستهدف أمرين اثنين:

1-  إزاحة الشّخصيات القوّية، صعبة المِراس، ذات المناصب الحسّاسة،و تغييب الشّخصيات العَصيّة، ذات الجاذبيّة، و ذات الهيبة و التأثير الواسع.و كأنّ التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، يعتقد أنه ،بعد استهداف هذه الشّخصيات النّوعية، و استهداف قادة الصّف الأوّل، يمكن لأولئك الذين يَلُونهم، من قادة الصّف الثّاني قليلي التّجربة و الخبرة، أن يُعلنوا استسلامهم، و يُذعنوا لشروط التّحالف المعتدي.

و قد ثبت بطلان هذا الاعتقاد،في غزة ،و في جنوب لبنان، بعد الاغتيالات النّوعية التي استهدفت قيادات الصّف الأوّل.و المظنون أنّ التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، يتعامل مع الإيرانيّين و قادتهم، كما كان الكاوبوي الأمريكيّ Cowboy ، المستعمر الذي قاد حملات الغزو و التّطهير العرقيّ، في الغرب الأمريكيّ، يتعامل مع الهنود الحُمر،سكّان أمريكا الأصليّين: يكفي أن يقتل القادة و الزّعماء، و يَغتال المحاربين الأشاوس حتّى تأتيه القبيلة كلّها خاضعة خانعة، تستجدي عطفه، و تتوسّل رحمته.

2-  اغتيال القادة السّياسيّين و العسكرّيين الإيرانيّين قد يكون مقدّمة،و ترتيبًا أيضًا، لإنزال برّي في منطقة محدّدة، حيويّة أو استراتيجية،في إيران، مثل جزيرة خرج، أكبر محطة لتصدير النّفط في العالم، للاستيلاء عليها و خنق النّظام الإيرانيّ، و قطع رئته الاقتصاديّة التي تضمن له الحياة، و المناورة و الصّمود.و على ضوء هذا التّرتيب قد يُفهم سبب عدم استهداف التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، المنشآت البتروليّة، في جزيرة خرج الإيرانيّة.

و تبعد جزيرة خرج، حوالي 30 كيلومتر عن السّاحل الإيرانيّ.و تقع حوالي 480 كيلومتر شمال مضيق هرمز.و تخضع الجزيرة لإدارة محافظة بوشهر المجاورة.


12 مارس، 2026

الجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم

 


إذا كان للجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم، كما ذكر، منذ أكثر من 2400 سنة، الفيلسوف الصّيني سان تزو Sun Tzu، في كتابه ( فنّ الحرب )، فإنّ العالم العربي و الشرق الأوسط، يتمتّع بموقع استراتيجيّ، و يمتلك معابر بحريّة و منافذ مائيّة، تؤهّله للسّيطرة على الملاحة الدّولية، و التّحكم في التّجارة العالميّة،و فرض شروطه، و إثبات قوّته و هَيبته، و تحقيق سيادته و ريادته، كاملة غير منقوصة.

 و قد أثبت الصّمود الإيرانيّ، في وجه العدوان الأمريكيّ الصّهيوني، و التّهديد الكبير حول مضيق هرمز، أنّ العرب و المسلمين، يمتلكون من أوراق القوّة، و من وسائل الضّغط و الإيلام، ما يجعلهم سادة مَهيبي الجانب، لا أذلّةً تابعين، يُعطون الجزية عن يَدٍ و هم صاغرون.


08 مارس، 2026

الرّد الإيراني على العدوان: هل هو انتحار...؟

 


إنّ الرّد الإيراني « الشّرِس » الذي اّتخذ اتّجاهات مختلفة، و هو يتصاعد بوتيرة محسوبة- قد يجد بعض التّأييد،عند قطاع كثير من النّاس، لأنه نتيجة اعتداء صارخ تعرّضت له إيران،أثناء مفاوضات، انتهت بتنازلات كبيرة، في ملفّها النّووي، و في موضوع تخصيب اليورانيوم، بشهادة الوسيط العماني.

و إنّ هذا الرّد الإيراني،بمظاهره التي يتابعها العالم، ليس انتحارًا أخلاقيًّا، كما قد يتوهّم البعض،و ليس انزلاقًا غير مضمون العواقب، و إنّما هو سلوك محسوب، و هو لغة تتضمّن خطابًا تفهمه جيّدًا، الجهات المعتدية.

 و توضيح هذا الأمر، أنه لمّا كان العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، هو تجاوز للقانون الدّولي، و تجاوز للأعراف الدّولية،بشكل صارخ، فكأنّ إيران لجأت الى مقارعة العدوان بالأساليب نفسها التي يعتمدها.و كأنّ إيران تقول للعالم: إذا لم يستطع القانون الدولي، و الأعراف الدولية، و الهيئات الأمميّة، إنصافنا أمام هذا العدوان   و حمايتنا، فسنلجأ إلى مقارعة هؤلاء المعتدين بأساليبهم، و سنوسّع دائرة  الحرب، و سنحرق هذه المنطقة، و هي أحد شرايين الاقتصاد العالميّ، و أحد معابر التّجارة العالميّة، و نضرب بقوة في كلّ الجهات، و في كلّ الأمداء الممكنة، لإيلام العدوّ، و تدمير ما يمكننا تدميره من قوّته، و مصالحه و مرتكزاته.

 و بيان هذا الأمر، أنّك حين تخاطب عدوّك، المعتدي عليك بلغته، و تواجهه بأسلوبه، فأنت،في هذه الحال، تَكسر هَيبته، و تُضعف سيطرته، و تزلزل ثقته، و تَفُلّ عزيمته، و تُضاعف حَيرته، فتُفقده تحكّمه و توازنه...و حينئذ قد تَتساويان،أنت و عدوّك، في القتال و الاستبسال، و لكنّك قد تتفوّق عليه في الصّمود، و في الإصرار و التصميم، لأنّك صاحب الحقّ المُعتدى عليه.

 و يبدو أنّ الإيرانيّين قد نجحوا،في هذا المَسعى،إلى حدّ الآن، حين نَقلوا إيلامًا كبيرًا إلى الجهات المعتدية، و كبّدوها أضرارًا و خسائر.و نجحوا،أيضًا، حين مارسوا ضغطًا كبيرًا على دول كثيرة،في العالم، التي تضرّرت مصالحها كثيرًا، بسبب هذه الحرب العدوانيّة التي أضرمتها عصابة ابستين، من الصّهاينة و الأمريكيّين.

 و هذا الرّد الإيراني « الشّرِس »، أو هذه اللّغة الإيرانيّة المفاجئة، يبدو أنّ الجهات المعتدية قد فهمته جيّدًا، بعدما قرأته مَليًّا.و يبدو أنّ الجميع،أيضًا، في دول الخليج و أروبّا، و في تركيا و روسيا و الصّين، و في أماكن مختلفة من العالم، قد أَلقَوا  السّمع جيّدًا، و فهموا هذه اللّغة الإيرانيّة المفاجئة.

و على ضوء كلّ ما تقدّم، يمكن فهم هذا التّململ العالميّ، و هذه المواقف المختلفة للدّول و الحكومات التي بدأت تتشكّل،هنا و هناك، و تحرّك الأساطيل، و اللّقاءات السّرية، و إعلان الوساطات، و الاجتماعات المرتقبة، و اللّقاءات المنتظرة...و كلّ هذه الأطراف العالميّة قد تضرّرت،بنسب مختلفة ،من تداعيات هذه الحرب العدوانيّة التي توشك أن تتوسّع رقعتها فتكون،حينئذ، مفتوحة على كلّ الاحتمالات.


02 مارس، 2026

العدوان الصّهيوني الأمريكيّ على إيران

                                        

دائرة الإيلام التي قد تستهدفها إيران،في ردّها على العدوان الصّهيوني الأمريكيّ، هي أوسع مما يُعتقد.و الآثار النّاشئة عن هذا الإيلام، قد تشمل منطقة الخليج العربي كلّها، بما فيها استهداف للقواعد العسكريّة الأمريكيّة، في الخليج و في منطقة الشرق الأوسط.و قد تمتدّ آثار هذا الإيلام إلى تهديد المصالح الحيويّة الأمريكيّة،أو تعطيلها، و تهديد لدول المنطقة و شعوبها، و مصالحها المختلفة.

 و إذا طال زمن هذه الحرب العدوانيّة، و اتّسعت رقعتها، فإنّ آثار هذا الإيلام قد يشمل سلاسل التوريد العالميّة، و حركة التّجارة العالميّة التي تتّخذ من المنطقة معبرًا حيويًّا لها.و في هذا الأمر تهديد،أو تدمير، لمصالح كثير من الدّول في العالم.

و لكنّ الإيلام الكبير،المصحوب بالرّعب، قد تصنعه حُمَم الموت التي تقذفها الصّواريخ الإيرانيّة،في العمق الإسرائيلي،أيْ في فلسطين المحتلّة،كما حدث  السّنة الماضية في شهر جوان.

الإيلام،إذن، المتعدّد الاتّجاهات،مع استيعاب الضّربات العدوانيّة، و احتواء آثارها، قد يحقّق لإيران صمودَها النّوعي، أمام الاعتداء الصّهيوني الأمريكيّ الوحشيّ، و يضمن لها، بالتّبعية و المآل، المحافظة على استقلاليّة قرارها السّياسي، و المحافظة على سيادتها، و إبقاء هذا القرار السّياسي في أيديها، لا في يد أمريكا و إسرائيل.

 


20 فبراير، 2026

أكفان ناعمة و لَحْد من ورق

 

عرفتُ مريم نور اليقين، قبل أن يصلني مولودها الفنّي الأخير.عرفتها في القاعات و المحاضرات، و في الامتحانات أيضًا.و قد لفتت انتباهي، بجملة من الأوصاف تَحُوزها، و الخصائص.و من بينها، لغتُها ذات الدّلالة و المستوى، و أجوبتها المتميّزة. و كذلك لفتت انتباهي بمجموع أفكارها، في النّقاش الذي كنت أفتحه مع الطّلبة، و في إبداء المواقف و الملاحظات.

و مولودها الفنّي الأخير: ( أكفان ناعمة و لَحْد من ورق ) ، هو تأكيد لهذا الانطباع الأوّل، و تجسيد لقدرتها على الكتابة الإبداعية ، و امتلاكها للنَّفَس الطّويل الذي يؤهّلها لأن تكون قلمًا جادًّا واعدًا، و صوتًا نديًّا مُسْمعًا.

و ( أكفان ناعمة و لَحْد من ورق ) هي مجموعة خواطر، أو هي مجموعة آلام و جُروح تتنفّس وَجَعًا،كما جاء في وصف هذه المجموعة، أرادت لها صاحبتُها،كما تقول، أنْ تُكفّنها بالكلمات،الأكفان النّاعمة، و أنْ تُودعها في صفحات، و تُشَيّعها إلى لَحد الورق، مثواها الأخير بلا قيامة أخرى.

 و إذا كانت الخاطرة هي فنّ أدبيّ، معنيٌّ بتسجيل اللّحظات الشّعورية الفائقة، و أدواتُ بنائه هي التكثيف اللغوي الذي يُظهر فَيْض المعنى و عمقه، و يُنشئ الوَقْع و التّأثير، و يرسم الظّلال، و يصنع الإيحاء...مضافًا إليها يقظةُ الوجدان، و التّدفق العاطفي، و الصّور الفنّية، و الخيال الخصيب...إذا كانت هذه بعض أسس الخاطرة، و أدوات بنائها ، فإنّ مريم نور اليقين، قد حازت منها على نصيب وافر، و فازت بحظّ ظاهر.و لكنّها،في المقابل، هي معنيّة أكثر بقراءة ما تيسّر من الخواطر و القصص، عند الكاتبين الكبار، لشَحذ أدوات الكتابة التي تمتلكها، و تثبيت قدرتها في هذا الفنّ التي تحبّه و تمارسه، وتحقيق الإبداع فيه، و التّفوق و السَّبق.

و هذه الهِمّة حين تتحقّق،و مريم جديرة بتحقيقها، هي التي تؤهّلها لامتلاك ناصية الكتابة التي تحبّها،كما تقول في خواطر الأكفان النّاعمة، و هي التي تَفتح لها،حينئذ، أبوابًا من الفهم و الوعي، و الاكتمال و النّضج الفنّي، يجعل كتابتها تنتقل من حال إلى حال، و تتزيّا،كالحَسناء، في كلّ إطلالة جديدة و موعد بثوب جديد، لأنّ الكتابة الفنية ،كيفما كانت، هي تجدّد و تطوير، و مراتب و مقامات، و صعود و ارتقاء، و هي أنواع لا تَبْلَى، و ألوان لا تَفنى من الجمال و الإبداع.

مريم نور اليقين...

لقد سعدتُ بقراءة خواطرك، و استمتعت بتقليب صفحاتها، و الامتلاء بشِحنتها الشّعورية.و إنّي لأتوسّم فيك الخير، مؤمّلاً أن يكون لهذه الخواطر ما بعدها، و أن تكون لك قَدَم ثابثة في هذا الفنّ الجميل، و أن يكون لك اسمٌ و رَسمٌ، في عالم الكتابة و الإبداع، عالم الشّفافية و الأبديّة و الخلود.


02 يناير، 2026

الموتُ ليس واحدًا



الموتُ ليس واحدًا، بل هو موتان.الموتُ يختلف في وَقْعه، و في دلالاته.و يختلف في آثاره التي يُخلّفها، و في مجموع المعاني التي يُؤبّدها، و المعالم التي يَنصبها و يُقيمها.

هناك موت يُحْيي صاحبه، و يرفع ذكره،و يَنشر اسمَه و رَسمه، و يُخلّد أثَره.

و هناك موت يُعَفّي أَثر صاحبه، و يَطويه كما يَطوي السّجلُّ الكتاب.  

تعدّدت الأسباب.نعم.و لكنّ الموت ليس واحدًا.




31 ديسمبر، 2025

فقدان القائد خسارة و لكن...


 

إنّ فُقدان القائد هو خسارة.و هذه الخسارة التي يستشعرها النّاس من فقدان القائد، ليست لشخصه أو اسمه، و إنّما لِما يمثّله من قِيَم كان يجسّدها في أقواله، و يتبنّاها في أفعاله و مواقفه، تجعل العقيدة التي يؤمن بها، أو الفكرة التي يعتنقها تَرتدّ حيّةً قويّة بين الأحياء، ماثلة أمام العيون،تأكل الطّعام، و تمشي في الأسواق.

و فقدان القائد هو خسارة،أيضًا، لِما كان يتمتّع به من هَيبة و حضور، و جاذبيّة و تأثير، و تميّز و سَبْق، و مواهبَ و مَلَكات، و قدرة نوعيّة و حُسن تدبير...تجعل أفئدة من النّاس تَهوي إليه، متمثِّلةً به، و مؤمنةً بنَهجه و مِنهاجه، أو متعاطفة معه، مُكْبِرةً ما يُمثّله و ما يجسّده...

إنّ فُقدان القائد هو خسارة و لكنّ حركات المقاومة عمومًا،في أيّ مكان، لا تتأثّر كثيرًا بفقدان قادتها، و تَغْييب رجالاتها لسبب ظاهر قويّ، و هو أنّ ولاءها قادةً و جنودًا، في كلّ الظّروف    و الأحوال، هو للعقيدة التي توحّد قلوبهم،و تضاعف مقاومتهم، و تنظّم صفوفهم، في حركتهم و سكونهم.و وفاؤهم و إخلاصهم، هو للقيم و الأفكار التي يُعرفون بها، و يقاتلون من أجلها.

و إذا استحضرنا قائمة القيادات،في حركة #حماس، الذين قَضَوا في الميدان، أو الذين اغتالتهم إسرائيل منذ الانتفاضة الأولى ( 1987-1993 )، و مرورًا بالانتفاضة الثانية ( 2000-2005 )، و وصولاً إلى عمليّة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023...إذا استحضرنا كلّ هذه المشاهد  و الفصول، يَستبين لنا أنّ حماس حركة ولاّدة، و قد نجحت في كلّ الامتحانات منذ تأسيسها سنة 1987: فقد استطاعت احتواء الآثار النّاجمة عن استشهاد قادتها السّياسيّين و العسكريّين، و استطاعت،أيضًا، التّكيف مع الأوضاع و الظّروف الصّعبة التي أحاطت بها،متجاوزةً ادّعاءات العدوّ و همجيّته و إرهابه، و أنّ الضّربات المتعاقبة لم تَزِدها إلاّ صلابة و نضجًا، و أنّ الضّغط و التّضييق المتلاحق، لم يزدها إلاّ توحّدًا و التحامًا، و أَكْسبها قوّة و تصميمًا.

 

(...و اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرهِ و لَٰكنَّ أَكثر النَّاس لا يَعلمُون ). يوسف- الآية 21

أيْ أنّ الله،جلّ و علا، مُتِمٌ قدرَه، يَقهر النّاس على أَمره، و يَقهرهم على ما أراد.و كلّ ما حصل ليوسف من إخوته،و ما عاناه من محنة الاسترقاق، و ما وقع له مع امرأة العزيز، و دخوله السّجن...كلّ ذلك كان من أمر الله و تقديره: فهو الغالب على أمره، و قضاؤه هو الغالب.و بأمره و تقديره، تقع الأحداث، و تتهيّأ الظّروف، و تترتّب الأحوال، ليقع أمر الله الذي لا رادَّ له، و ليقع أمر الله الذي يكون،دائمًا، مفعولاً، و لَكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون.

و قد نزل هذا التّعقيب، في سياق قصّة يوسف عليه السّلام، بعد إلقائه في غَيابات الجُبّ،و في لحظات و ظروف، لا تظهر فيها بوضوح، ما دبَّره الله ليوسف من تمكين في الأرض، و سيادة   و حكم و غَلَب.

و كثيرًا ما يريد النّاس أمرًا، و لكنّ الله تعالى يريد أمرًا آخر، فلا شيءَ يَمنعه عمّا يريد، و لا أَحدَ يُنازعه في ما يُريد.و هو القاهر فوق عباده، يَعلم ما لا يعلمون، متحكِّمٌ في الأقدار كلّها، يهيّئ الظّروف و المواقيت، و يصنع العواقب و الخواتيم، و (...اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرهِ و لَٰكنَّ أَكثر النَّاس لا يَعلمُون ).  

 


30 ديسمبر، 2025

#جنوب_شرق_آسيا...#المجال_الحيوي للصّين

 


يحتضن إقليم يونان،في جنوب غرب الصّين،يومي الأحد و الاثنين 28-29 ديسمبر 2025، اجتماعًا بين #كمبوديا و #تايلاندا، لتأكيد اتّفاق وقف إطلاق النّار، الموقّع بينهما يوم السّبت 27 ديسمبر،و البحث عن الحلول، و الإجراءات المناسبة، لتعزيز الثّقة بين البلدين، و استعادة السّلام و الاستقرار، في المنطقة الحدوديّة بينهما. و احتضان الصّين لهذا الاجتماع،و رعايتها له، جاء بعد فشل الوساطة التي ادّعاها #دونالد_ترامب بين البلدين المتحاربَين،في 12 ديسمبر الماضي.و هذا الاجتماع يُفوّت عليه،في الوقت نفسه، فرصة التّباهي و الإعلان أنّه رجل السّلام،و أنّه أوقف الحرب بين كمبوديا و تايلاندا. و لكنّ هذا الاجتماع الثّلاثي الذي تحتضنه الصّين و ترعاه، دلالته أبعد من ذلك و أوسع.و توضيح الأمر أنّ الصّين باحتضانها،و رعايتها لهذا الاجتماع، كأنّها تعتبر جنوب شرق آسيا مجالها الحيويّ،و هي تدافع عن مجالها الحيويّ بمزاحمة النّفوذ الأمريكي، و محاصرته في هذه المنطقة. و لتأكيد هذا الأمر، يمكن الإشارة إلى أنّ الصّين قد وقّعت،في 28 أكتوبر 2025،على نسخة موسَّعة من اتّفاقية التّجارة الحرّة،مع #الآسيان،و هي: #رابطة_دول_جنوب_شرق_آسيا و تضمّ: ( ماليزيا، سنغافورة، إندونيسيا، الفلبّين، تايلاند، كمبوديا، فيتنام، لاوس، بروناي، ميانمار، و تيمور الشّرقية التي انضمّت إلى المنظّمة في أكتوبر 2025 ).و تستهدف الصّين بهذه النّسخة الموسَّعة تقديم نفسها بديلاً مأمونًا لسياسات دونالد ترامب الحمائيّة، و إرساء فضاء تجاريّ، أكثر استقرارًا لأعضاء دول آسيان الذين تضرّروا من نسب الزّيادات الجمركيّة التي فرضتها الولايات المتّحدة.

المنخفض الجوي بدلاً من الأمطار، و البرد و الرّياح...

 

إنّ اللّغة ليست حياديّة.و في الإعلام الجماهيريّ، لا تتخلّف هذه القاعدة.
و السّؤال هو: لماذا تلجأ الفضائيّات العربيّة، إلى استعمال مصطلح ( المنخفض الجوّي )،و هو تعبير علميّ،لا حاجة إليه في هذا السّياق، بدلاً من تعابير ذات دلالة واضحة و حَمولة كبرى، كالأمطار الغزيرة، و البرد و الرّياح...في حديثها عن الوضع الأليم الذي يحياه النّاس،في #غزة ، و في إشاراتها إلى الأحوال الطّبيعية القاسية التي تقتلع خيامهم، و تُغرق ملاجئهم و هم جِيَاع مُنهَكون، و تُتلف حاجاتهم، و تعصف بكلّ ما حولهم، و تُودي بحياة الرّضع، و الأرواح و النَّسَمات...؟
هل المقصود هو استعمال « صيغة مُلطَّفة »، و تعابير أقلّ شحنة، و أقلّ أو أخفّ دلالة، لإنشاء #صورة_ذهنية جديدة، غايتُها كسر الاهتمام العامّ بغزة، و تجميد التّعاطف مع أهلها، و الإيحاء بأنّ الوضع طبيعيّ، و أنّ غزة بعد #خطة_ترامب ،هي أفضل ممّا كانت عليه...؟

07 ديسمبر، 2025

48% من الأوروبّيين، يعتبرون #دونالد_ترامب عدوًّا لأوروبّا

 

وفقًا لاستطلاعات الرّأي التي قامت بها Cluster17، و هي مؤسّسة مستقلّة متخصّصة في أبحاث الرّأي العامّ، وتحليل البيانات، والاستشارات الاستراتيجيّة، فإنّ 48% من الأوروبّيين يعتبرون دونالد ترامب عدوًّا لأوروبّا، و أنّ التّحالف مع أمريكا ليس أمرًا طبيعيًّا، في أذهان الكثير منهم. ذ

و قد شملت هذه الاستطلاعات سكّان تسع دول، من #الاتحاد_الأوروبي و هي: ألمانيا و فرنسا و إيطاليا، و إسبانيا و بولندا و بلجيكا، و البرتغال و هولندا و كرواتيا.و يبلغ عدد سكّان دول هذ الاستطلاع حوالي 340.268.423 نسمة، من مجموع 450 مليون، و هو عدد سكّان الاتّحاد الأوروبّي، في إحصائيّات 1 جانفي 2025 .

و في الدّول التّسع التي شملها مقياس الرّأي العامّ الأوروبّي، تبرز مجموعة من المخاوف و الهواجس، و هي إدراك الأوروبّيين، لطبيعة الاضطرابات الجيوسياسيّة التي تُعيد تشكيل أفكارهم و بيئاتهم، و التّناقضات داخل البيت الأوربّي، و التّوترات السّياسية الدّاخلية التي تُضعف التّماسك المجتمعيّ، و احتدام الصّراع،في العالم، حول حيازة القوّة، و سباق السّيطرة و التّملك، و عودة الحرب إلى القارّة الأوروبّية، و خطر الحرب المحتملة مع #روسيا...و في هذا الاستطلاع نفسه، يرى 55% من الأوروبّيين، أنّ على أوروبّا الحفاظ على موقف متوازن، بين الخصمين العالميَّين الرّئيسيّين: #الولايات_المتحدة و #الصين...

و يمكن القول بأنّ نتائج هذه الاستطلاع تمثّل تحوّلاً تاريخيًّا في التّصورات،و في المواقف و الأفكار،داخل أوروبّا.و قد ساهم في تشكيل هذا التّحول و بلورته، حدثان كبيران، غيّرا كثيرًا من القيم و الموازين، في الرُّبع الأوّل من هذا القرن، و هما: الغزو الرّوسي لأوكرانيا،في 24 فبراير 2022، و إعلان حرب الإبادة الهمجيّة،المتواصلة على #غزة، منذ أكتوبر 2023.


04 ديسمبر، 2025

أوكرانيا...هل أَزف الحلّ، أم هو وشيك التّحقق ؟

 



انعقد في، بروكسل، العاصمة البلجيكيّة،يوم الأربعاء 3 ديسمبر 2025، اجتماع وزراء خارجيّة دول الحلف الأطلسيّ لمناقشة الجهود المبذولة لإيقاف الحرب، و تحقيق السلام في أوكرانيا.و يجيء هذا الاجتماع الوزاريّ الذي لم يحضره وزير الخارجيّة الأمريكيّ، بعد يوم واحد من انتهاء المحادثات،في موسكو، بين روسيا و الولايات المتّحدة، حول إنهاء الحرب،في أوكرانيا، و بعد تهديد بوتين للأروبّيين، أنّ روسيا مستعدّة للحرب إذا أرادت أوروبّا ذلك.

و تنعقد قمّة حلف شمال الأطلسي الوزاريّة،أيضًا، في ظلّ شعور أروبّي قاتم، أنّ موعدًا ما قد أَزِف، و أنّ اتّفاقًا ما قد يتحقّق قريبًا في غَيْبتهم، خاصّة أنّ الأروبّيين، لم يتسلّموا نسخة من نتائج المفاوضات الأخيرة،في موسكو، يوم الثلاثاء 2 ديسمبر، بين المبعوثَين الأمريكيَّين، و الرّئيس بوتين، و هم يتوجّسون خِيفة أنّ بنود هذا الاتّفاق المرتقب، قد تكون مكافأة لروسيا التي اعتدت و أعلنت الحرب،في 2022، و ليست ضمانًا لمستقبل أروبّا، أو في صالح أوكرانيا.

و الذي يمكن استنتاجه، من مجموع فصول المفاوضات، و المواقف المختلفة التي صاحبتها، و الحركة الدّيبلوماسية التي لا تنقطع بين العواصم الأروبّية، و واشنطن و موسكو،و ما يَرشح من تهديدات و مخاوف،من هنا و هناك...الذي يمكن استنتاجه من كلّ ذلك، أنّ الملفّ الأوكرانيّ و ما قد ينجم عنه من اتّفاق و تسويات، قد يكون أكبر تهديد يواجه الاتّحاد الأروبّي وحدتَه، و قوّتَه و تماسكَه، و هو،أيضًا، امتحان لطبيعة الشّراكة الاستراتيجيّة التّاريخية القائمة، بين ضفّتَي المحيط الأطلسي، حين تولّت الولايات المتّحدة مهمّة الدّفاع عن أروبّا و حمايتها، منذ قيام مشروع مارشال، بعد نهاية الحرب العالميّة الثّانية.

و الذي يمكن التّنبؤ به أنّ الحلّ،في أوكرانيا،إذا تحقّق، فلن يكون إلاّ حلاًّ روسيًّا أمريكيًّا، يَقبله الرّئيس زيلينسكي،على مَضض، و يرضخ له الأروبّيون الذين لم يذوقوا ويلات الحرب منذ 80 سنة، و الذين بدأوا يشعرون، أنّ مظلّة الحماية الأمريكيّة قد تُرفع عنهم،اليوم أو غدًا، ما دام دونالد ترامب قابعًا،في البيت الأبيض، و ما دامت عصابة رجال الأعمال التي تحيط به، مهووسة بالصّفقات الكبرى، ذات الاستثمار الكبير، و العوائد الكبرى، و المنافع و الأرباح.


التّهديد و التّهديد المضادّ..

  ارتفاع و تيرة القصف الإيراني،بعد استهداف التحالف الأمريكي الصهيوني لمفاعل نطنز ، و الصواريخ النوعية الإيرانية، و ما أحدثته في ديمونة و عرا...