14 مايو، 2026

الدّرس الإيراني


 

   تُعتبر الحرب على إيران،أو حرب الاثني عشر يومًا، النّاشئة من العدوان الصّهيوني،يوم 13 جوان 2025، و حرب الأربعين يومًا،في 28 فبراير 2026، المتواصلة إلى اليوم، بقيادة التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ- تُعتبر هاتان الحربان كلتاهما، حدثًا كبيرًا و خطيرًا،في منطقة الشرق الأوسط، قد يؤسّس لما بعده من حروب و يهيّئ لها، بسبب ما كشفته من حقائق، و ما أفرزته من دلالات، و ما غيّرته من موازين القوى، في هذه المنطقة القَلقة.

إنّ إيران بلد كبير له رؤيا هو شديدُ الوفاء لها، و له استراتيجيّة هو يتّبعها و ينفّذها.و لقد استطاعت إيران،منذ ثورتها على نظام الشّاه سنة 1979، أن تكون قوّة إقليميّة تَجمّع في يدَيها، الحلُّ للكثير من القضايا و المعضلات.و الحقّ أنّ هناك ظواهر ثابتة في سياسات إيران،منذ انتصار ثورتها، ضمنت لها مستويات من القوّة و الهيبة و الاحترام،من جهة، و جعلتها محطّ الأنظار، و موضوعًا للضّغوطات الخارجيّة من جهة أخرى.و يمكن تفصيل هذا الأمر، و إبانة ملامحه في الفقرات التّالية. 

1- استقلاليّة القرار السّياسي

استقلاليّة القرار السياسي،في أيّ دولة، هو قدرتها على اتّخاذ القرارات، دون تدخّل أجنبيّ أو إملاءات خارجيّة، سواء كانت من لَدُن دول أجنبيّة، أو منظّمات دوليّة أو غيرها.و هذا الاستقلال يشمل جميع جوانب السّياسة: الدّاخلية و الخارجيّة و الاقتصاديّة...و حين تكون الدّولة متمتّعة باستقلاليّة قرارها السّياسي فإنّها تكون،حينئذ، قادرة على رسم أولويّاتها، و تحديد مصالحها الوطنيّة الاستراتيجية، و وضع معالم أمنها القومي، و إثبات مكانتها في العالم و في الإقليم، و فرض هيبتها على السّاحة الدّولية...و بناءً على هذا المفهوم، فإنّ استقلاليّة القرار السّياسي، هو مظهر من مظاهر السّيادة، لأنه تحرّر من الهيمنة الخارجيّة، و تحرّر من أوهاق التّأثير الأجنبيّ.       و قد أثبتت إيران،منذ ثورتها سنة 1979، قدرتها على صناعة قرارها السّياسي، بعيدًا عن كلّ تأثير أجنبيّ.و إنّ الذين كانوا يتابعون المفاوضات القائمة حول ملف إيران النووي،منذ بدايتها، مع ( خطّة العمل الشّاملة المشتركة ( Joint Comprehensive Plan of Action  في 2013، ثمّ موافقتها،في 2 أبريل 2015، على تنفيذ القيود المفروضة على برنامجها النّووي، و المواقف اﻹيرانية المختلفة في مراحل هذه المفاوضات، و ما تمخّض عن هذه المفاوضات من نتائج...الذين كانوا يتابعون هذه المفاوضات القائمة حول الملفّ النّووي الإيراني، يدركون أنّ إيران استطاعت أن تحافظ على استقلاليّة قرارها السّياسي، و أن تتكيّف مع الضّغوطات و الإغراءات التي كانت تتعرّض لها، و استطاعت،أيضًا، أن تجد لنفسها هامشًا للمناورة، في خضمّ اﻷوضاع العالميّة القاهرة التي كانت تدفعها،دومًا، إلى التّنازل و الاستسلام.

 2- الندية في الخطاب السّياسيّ

الخطاب السياسي الرّسمي،في أيّ دولة، يدلّ على طبيعة هذه الدّولة، و يَكشف عن ضعفها أو قوّتها، و يعبّر عن ماهيّتها، و يشير إلى موقفها من الأحداث و المستجدّات.و هو يدلّ،في الوقت نفسه، على مَدى تمتّع الدّولة،أيِّ دولة، بسيادتها الكاملة، و استقلال قرارها السّياسيّ.و قد تصاعدت مستويات هذه النّدية،في الخطاب السّياسيّ الرّسميّ الإيراني، أثناء الحرب الأمريكيّة الصّهيونية الأخيرة، و في خضمّ دعوات دونالد ترامب للإيرانيّين،في حرب الاثني عشر يومًا، بإخلاء طهران، أو بالخضوع و الاستسلام! و هذه النّدية التي حقّقتها إيران،في خطابها السّياسي الرّسمي، و في المواجهة العسكريّة مع التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ، و ما تحمّلته في الحالَين من تضحيات و آلام، و ما حقّقته من إيلام و رَدع ، هي التي تؤهّلها للذّهاب إلى المفاوضات، و هي متمتّعة بالقوّة و المناعة و الاقتدار.و هذا هو الفرق الكبير بين المسؤول الإيرانيّ، المتحرّر من أثقال التّبعية و عقدة العبيد، و الذي يُحسن إدارة الصّراع، في السّلم و الحرب، و الحاكم العربيّ المتهافت الذي يَقبع،أو يجلس مرتعدًا، أمام دونالد ترامب الدّجال حتى ليكاد يتبوّل.

 3- حيازة القوّة و الاستبسال في الدّفاع عن الخيارات الاستراتيجيّة الوطنيّة

لقد وُضعت أسس البرنامج النّووي الإيراني عام 1957،خلال الحرب الباردة، بعد الانقلاب على حكومة محمد مصدق،برعاية وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة عام 1953.و تمّ إطلاق هذا البرنامج النووي_الإيراني، في عهد عائلة بهلوي التي كانت تحكم إيران، في إطار برنامج ( الذّرة من أجل السّلام )  Atoms for Peace الذي صمّمته الولايات المتحدة،آنذاك، لتعزيز استخدام التّكنولوجيا النّووية للأغراض السّلمية.و بعد الثّورة الإيرانيّة عام 1979، جُمّد هذا البرنامج،و لكن تمَّ استئنافه، في أعقاب الحرب الإيرانيّة العراقيّة.

و لقد تعلّم الإيرانيون من تجاربهم السّابقة، و من فهمهم لطبيعة العلاقات الدّولية، و طبيعة القوى المتحكّمة في هذا العالم، أنّ القوّة،و القوّة وحدها، هي التي تَردع المعتدي و تصدّه، و هي التي تضمن لأيّ دولة الهيبة و الاحترام، في هذا العالم المضطرب الذي لا قيمة فيه للضّعيف إلاّ بمقدار طواعيّته و استسلامه.و من هذا الفهم لطبيعة العلاقات الدّولية نشأ،لدَى الإيرانيّين، هذا السّعي الحثيث لتطوير صناعاتهم العسكريّة، و امتلاك كلّ أنواع القوّة،بما فيها أسلحة الرّدع، التي تحفظ على البلد أَمنه و استقراره،و تَصُدّ المعتدي و تُرهبه، في خضمّ التّهديدات المختلفة، و الأوضاع العالميّة المضطربة.

و قد كشفت حرب الاثني عشر يومًا، و حرب الأربعين يومًا كلتاهما، بعضًا من قدرات الصّناعات العسكريّة الإيرانيّة، و مفاجآت منظومة الصّواريخ النّوعية، و المسيّرات الاستراتيجيّة التي استطاعت إيران صناعتها، في ظلّ الحصار الطّويل الذي تعرّضت له، في فترات مختلفة بين 1987 و 2006.

و قد استطاعت إيران بتوجيهها للضّربات الصّاروخيّة النّوعيّة، ذات القدرة التّدميريّة الكبرى، أن تشلّ حركة الحياة اليوميّة،داخل الكيان الصّهيوني، و تُلحق ضررًا كبيرًا بأركانه، و أن تستهدف المنشآت الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، و تُحدث إيلامًا كبيرًا و رعبًا، في داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، و أن تؤسّس،في الوقت نفسه، لموسم الهجرة العكسيّة، و بداية نهاية حلم أرض الميعاد.و تعتبر هذه الهجمات الايرانيّة على اسرائيل، هي المشهد الثاني، بعد 7 أكتوبر 2023، الذي يؤكّد هشاشة الكيان الإسرائيلي و ترنّحه، حين يُضرب في عمقه، و في مراكزه الاستراتيجيّة.

 بين العرب و إيران

و إذا ما قُمنا بمقارنة بسيطة، بين إيران و مجموع الدّول العربيّة، يتبيّن لنا بوضوح مجموع ما حقّقته إيران في سبعة و أربعين عامًا،رغم فترات الحصار المختلفة، و حجمَ ما تتفوّق به على الدّول العربيّة مجتمعةً قي ميادين كثيرة.و من مظاهر هذا التّفوق هو تأكيد الإيرانيِّين،في خطابهم السّياسي، و في مواقفهم الرّسمية و علاقاتهم الدّولية، على سيادتهم الكاملة في شؤونهم الدّاخليّة و تأكيدهم،أيضًا، على استقلال قرارهم السّياسيّ و استبسالهم،بالقول و الفعل، في الدّفاع عن الخيارات الاستراتيجيّة الوطنيّة.و في الوقت الذي تكتب فيه إيران، صفحات مشرقة من تاريخها المعاصر، و هي تتصدّى لعدوان التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ، المتعدّد المظاهر، و المدعوم غربيًّا، لاحتوائها أو تركيعها، لا يزال الحكّام العرب،يعيشون خارج التّاريخ، سجناء نظرتهم القُطريّة التي لا تتجاوز اليوميّات، يبدّدون مقدَّرات دولهم و شعوبهم،في خلافاتهم البَينيّة و اهتماماتهم الصّغيرة، و يأتون من المواقف و الأقوال، ما يُخلّف الرّزية و البَلوى، و يصنعون من المُضحكات ما هو شبيهٌ بالبُكى.

13 أبريل، 2026

حصار إيران: عولمة الصّراع



بعد فشل الولايات المتّحدة في فرض شروطها على إيران، في مفاوضات إسلامباد التي لم تكن مفاوضات، بل إملاءات، حَسب ما يُستشفّ من أقوال الوفد الايراني المفاوض، تلجأ الولايات المتّحدة إلى فرض حصار بحريّ،على الموانئ الإيرانيّة.و هي تبغي من وراء هذا الحصار تحقيق أمرين اثنين.الأمر الأول هو خنق إيران اقتصاديًّا، و حرمانها من مداخيل النّفط التي بلغت،حسب بعض التّقديرات،115 مليون دولار يوميًّا.و إذا كان المال هو عَصَب الحياة،في الحرب و السّلم، فإنّ أمريكا تستهدف،بهذا الحصار، التّأثير على قدرات إيران في المقاومة و الصّمود، و دفعها إلى الاستسلام، أو التّخفيف من حدّتها في المواجهة و الاستبسال، و القبول ببعض التّنازلات، لتحقيق تسوية مُرضيّة،بالنّسبة لها، تُوقف الحرب و الصّراع.

أمّا الأمر الثّاني المبتغَى من وراء هذا الحصار،فخلاصته حسب الإداة الأمريكيّة، أن هذا الحصار قد يُنشئ حالة من الانهيار الاقتصاديّ،داخل إيران، يكون سببًا في الرّكود أو الكساد، الذي يفجّر،بالتّبعية و المآل، فوضى اجتماعيّة، و اضطرابات و قلاقل، قد تُضعف سيطرة النّظام، و تشتّت قدراته، و  تَحرمه من هامش الحركة و المناورة.

 و لكنّ الذي سيحدث، أنّ هذا الصّراع الذي كان بين إيران من جهة،و الولايات المتّحدة و إسرائيل من جهة أخرى، سيصبح صراعًا عالميًّا، بين أمريكا و بقيّة العالم، لأنّ دولاً كثيرة ستتضرّر مصالحها بسبب هذا الحصار، و في مقدّمتها الصين، و هي من أكبر مستوردي النّفط الإيرانيّ، أو تركيا، و دول أخرى،في آسيا.و قد يؤدّي هذا الحصار،أيضًا، إلى تجدّد الحرب، و تهديد سلاسل الإمداد، و تداعياته المختلفة على الأسواق العالميّة .

و السّؤال هو: كيف سيكون موقف الصّين من هذا الحصار الأمريكي الذي قد يمنعها،اليوم، من وارداتها النّفطيّة من إيران، بعدما مُنعت من هذه الواردات،من قبل،في فنزويلا ؟


22 مارس، 2026

التّهديد و التّهديد المضادّ..

 



ارتفاع و تيرة القصف الإيراني،بعد استهداف التحالف الأمريكي الصهيوني لمفاعل نطنز، و الصواريخ النوعية الإيرانية، و ما أحدثته في ديمونة و عراد،من رعب و دمار، و تهديد ترامب بقصف منشآت الطاقة في إيران، إذا لم تفتح مضيق هرمز، أمام حركة الملاحة الدولية، و تهديد إيران بالرّد القوي، و خطاب الانتقام، و سياسة العين بالعين، و ما قد ينشأ عن هذه التّهديدات حين تنفيذها، من انهيار كبير في الدّول و في تغيير الخرائط، و في السياسات و الاقتصاد...

كلّ هذا التصعيد الذي لا يفتأ يتصاعد و يزداد، قد يكون بداية انزلاق كبير، لحرب إقليميّة كبرى، تفتح الباب لصراعات أخرى كبرى، تشارك فيها الدّول النّووية، أو قد يكون،في المقابل، بداية التّخفيض و التّهدئة، و نزع فتيل الحرب الكبرى المحتملة، و إطفاء النّيران التي قد تلتهم الجميع.


21 مارس، 2026

للصّائم فرحتان...


يحظَى الصّيام،بين سائر العبادات، بالمكانة الخاصّة و الدّرجة العُليا.و سبب هذه الحظوة، أنّ الله ربط الصّيام بذاته العَليّة: (...الصّيام لي و أنا أَجزي به ).

و قد قيل في سبب نسبة الصّيام إلى الله، و إضافته إليه، معانٍ كثيرة من بينها: أنَّ الصيام هو امتناعٌ عن شهوات النّفس، و تجاوز لنداءاتها القاهرة، و استعلاء على صَيحات الجسد القويّة، في أيّام معدودات، وَفق نظام معيَّن و توقيت معلوم.و حين يمتنع الإنسان المؤمن عن شهواته، و يقاوم نداءها،طاعةً لله، و هو قادرٌ على تلبية هذا النّداء، فإنّ ذلك يكون عنوانًا على صحّة إيمانه، وإخلاص عبادته.و من ثَمَّ فإنّ الله تعالى يتقبّل عمله، و يَنسبه لذاته العَليّة، من بين سائر أعماله.و هذا الأمر لا يوجد في عبادة أخرى غير الصّيام.

 و لمّا كان الصّيام بهذه المكانة العظيمة، و هذا القَدْر الجليل، فقد جعل الله لصائمه،كما ورد في الصّحيحَين، و في غيرهما، فرحتَين اثنتين: ( فرحةٌ حين يُفطر و فرحةٌ حين يَلقَى ربَّه...).

هما،إذن، فرحتَان اثنتان: إحداهما معجَّلة، و الأخرى مؤجَّلة. فأمّا الفرحة المعجَّلة، فهي فرحته بإفطاره، و أمّا الفرحة الأخرى المؤجَّلة، فهي فرحته بصومه حين يلقَى الله.

فأمّا الفرحة الأولى المعجَّلة، فقد أشار إليها ابن رجب الحنبلي، في كتابه ( لطائف المعارف في ما لمواسم العام من وظائف ) حين قال: « أمّا فرحة الصّائم عند فطره، فإنّ النّفوس مَجْبولة على المَيل إلى ما يلائمها، من مَطعم ومَشرب ومَنكح.فإذا مُنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثمّ أُبيح لها في وقت آخر، فَرحت بإباحة ما مُنعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه.فإنّ النّفوس تفرح بذلك طبعًا...».

 فرحة الصّائم،إذن، سببُها ما يحصل عليه بالإباحة، من أمور هي حبيبة إلى النّفس، كالطّعام و الشّراب و المَنكح.و هي من الوظائف الحيويّة التي يتوقّف عليها وجود الإنسان، و نموّه و استمرار حياته.و هذه الفرحة ،أيضًا، إنّما يُنشئها،أو يُضاعفها، زوالُ المَنع فيُدرك الصّائم ما مُنع منه فإنّه،حينئذ، يفرح بإدراكه لهذا الممنوع، لأنّ المنع كان في أمر حبيب إلى النّفس، كالطّعام و الشّراب، و أحبّ شيء إلى الإنسان ما مُنِعَه.

و يمكنني أن أضيف،في تواضع و وَجَل، سببًا آخر لهذه الفرحة المعجَّلة، خلاصتُه أنّ الإنسان المؤمن قد يحقّق في عبادة الصّيام أمرَين جَليلَين، و جانبَين عظيمَين، و هما: الجانب العِباديّ الذي خُلق له، و هو مناط تكليفه و ابتلائه، و يحقّق،في الوقت نفسه، الجانب الإنسانيّ حين تسيطر رُوحه على جسده، و تتصاعد إرادتُه، فيمتنع،حرًّا مُريدًا لا تابعًا مُكرَهًا، عن طعامه و شرابه، و سائر شهواته و لذّاته التي ألِفَها أزمانًا، و اسْتنام لها مُددًا و أوقاتًا،و يخرج،طاعةً لربّه و انقيادًا له، من سجن عاداته اليوميّة القاهرة، و ضغط مطالبه المَألوفة.و كلّ أولئك هو تجسيد للإرادة الفعّالة، و ارتفاع عن دَرَكات الحيوانيّة، و تحقيق ظاهر لدرجات الإنسانيّة الفائقة.

 الفرحة المعجَّلة يوم الفطر،إذنْ، سَببُها نجاحُ الصّائم في تحقيق عبوديّته،في أيّام معدودات، وَفق نظام معيَّن، و توقيت معلوم.و نجاحُه،أيضًا، في تحقيق إنسانيّته، في عبادة الصّيام بالانتصار على النّفس، و التّحكم في مطالبها المتعاقبة، و تكبيل نزواتها الآنيّة.و هذان الأمران كلاهما مقصودان مجموعًا و استقلالاً، في امتحان رمضان و في غيره.

 أمّا فرحة الصّائم الأخرى المؤجَّلة، فهي فرحُه بصومه حين يلقَى الله، و ما أعدّه الله له من الثّواب و المزيّة و السَّبق.و لكنّ هذه الفرحة المؤجَّلة ما هي أوصافها ؟ و كيف تكون ؟ و هل هي فرحة كفرحة الدّنيا، أم هي فرحة أخرى، لها طَعْمها و وَقعُها و سرُّها...؟ و كيف يعيشها الصّائم ؟ و كيف يكون شعوره، حين يتحقّق هذا اللّقاء المَهيب، في عالم الأرواح و الملكوت...؟

إنّنا لا نعلم شيئًا عن هذه الفرحة، و لا نحيط بوصف واحد من أوصافها، لأنّها فرحةٌ نَسيجُ وَحْدِها، و هي ممّا أُخفِي من المسرّات للصّائمين.و لكنّ مجرّد التّفكير في هذا الأمر، و إطلاق الخيال لمتابعته، و محاولة تصوّره، ينقلنا إلى هذه العوالم العُلويّة القُدسيّة الأبديّة التي تَزهو فيها النّفوس فتَنتَشي، و ترقص الأرواح فتفرح و تتباهَى، و حقَّ لها أن ترقص، و أن تفرح و تزداد.

  

لماذا اغتيال القادة السّياسيّين و العسكريّين، في إيران...؟

 


مسلسل اغتيال القادة السّياسيّين و العسكريّين الإيرانيّين، هل هو مقدّمة لنتيجة،أو نتائج، مرتقبة ؟

قد يكون كذلك.و هذه الاغتيالات ،حين تتصاعدت وتتّسع دائرتُها، قد تستهدف أمرين اثنين:

1-  إزاحة الشّخصيات القوّية، صعبة المِراس، ذات المناصب الحسّاسة،و تغييب الشّخصيات العَصيّة، ذات الجاذبيّة، و ذات الهيبة و التأثير الواسع.و كأنّ التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، يعتقد أنه ،بعد استهداف هذه الشّخصيات النّوعية، و استهداف قادة الصّف الأوّل، يمكن لأولئك الذين يَلُونهم، من قادة الصّف الثّاني قليلي التّجربة و الخبرة، أن يُعلنوا استسلامهم، و يُذعنوا لشروط التّحالف المعتدي.

و قد ثبت بطلان هذا الاعتقاد،في غزة ،و في جنوب لبنان، بعد الاغتيالات النّوعية التي استهدفت قيادات الصّف الأوّل.و المظنون أنّ التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، يتعامل مع الإيرانيّين و قادتهم، كما كان الكاوبوي الأمريكيّ Cowboy ، المستعمر الذي قاد حملات الغزو و التّطهير العرقيّ، في الغرب الأمريكيّ، يتعامل مع الهنود الحُمر،سكّان أمريكا الأصليّين: يكفي أن يقتل القادة و الزّعماء، و يَغتال المحاربين الأشاوس حتّى تأتيه القبيلة كلّها خاضعة خانعة، تستجدي عطفه، و تتوسّل رحمته.

2-  اغتيال القادة السّياسيّين و العسكرّيين الإيرانيّين قد يكون مقدّمة،و ترتيبًا أيضًا، لإنزال برّي في منطقة محدّدة، حيويّة أو استراتيجية،في إيران، مثل جزيرة خرج، أكبر محطة لتصدير النّفط في العالم، للاستيلاء عليها و خنق النّظام الإيرانيّ، و قطع رئته الاقتصاديّة التي تضمن له الحياة، و المناورة و الصّمود.و على ضوء هذا التّرتيب قد يُفهم سبب عدم استهداف التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، المنشآت البتروليّة، في جزيرة خرج الإيرانيّة.

و تبعد جزيرة خرج، حوالي 30 كيلومتر عن السّاحل الإيرانيّ.و تقع حوالي 480 كيلومتر شمال مضيق هرمز.و تخضع الجزيرة لإدارة محافظة بوشهر المجاورة.


12 مارس، 2026

الجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم

 


إذا كان للجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم، كما ذكر، منذ أكثر من 2400 سنة، الفيلسوف الصّيني سان تزو Sun Tzu، في كتابه ( فنّ الحرب )، فإنّ العالم العربي و الشرق الأوسط، يتمتّع بموقع استراتيجيّ، و يمتلك معابر بحريّة و منافذ مائيّة، تؤهّله للسّيطرة على الملاحة الدّولية، و التّحكم في التّجارة العالميّة،و فرض شروطه، و إثبات قوّته و هَيبته، و تحقيق سيادته و ريادته، كاملة غير منقوصة.

 و قد أثبت الصّمود الإيرانيّ، في وجه العدوان الأمريكيّ الصّهيوني، و التّهديد الكبير حول مضيق هرمز، أنّ العرب و المسلمين، يمتلكون من أوراق القوّة، و من وسائل الضّغط و الإيلام، ما يجعلهم سادة مَهيبي الجانب، لا أذلّةً تابعين، يُعطون الجزية عن يَدٍ و هم صاغرون.


08 مارس، 2026

الرّد الإيراني على العدوان: هل هو انتحار...؟

 


إنّ الرّد الإيراني « الشّرِس » الذي اّتخذ اتّجاهات مختلفة، و هو يتصاعد بوتيرة محسوبة- قد يجد بعض التّأييد،عند قطاع كثير من النّاس، لأنه نتيجة اعتداء صارخ تعرّضت له إيران،أثناء مفاوضات، انتهت بتنازلات كبيرة، في ملفّها النّووي، و في موضوع تخصيب اليورانيوم، بشهادة الوسيط العماني.

و إنّ هذا الرّد الإيراني،بمظاهره التي يتابعها العالم، ليس انتحارًا أخلاقيًّا، كما قد يتوهّم البعض،و ليس انزلاقًا غير مضمون العواقب، و إنّما هو سلوك محسوب، و هو لغة تتضمّن خطابًا تفهمه جيّدًا، الجهات المعتدية.

 و توضيح هذا الأمر، أنه لمّا كان العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، هو تجاوز للقانون الدّولي، و تجاوز للأعراف الدّولية،بشكل صارخ، فكأنّ إيران لجأت الى مقارعة العدوان بالأساليب نفسها التي يعتمدها.و كأنّ إيران تقول للعالم: إذا لم يستطع القانون الدولي، و الأعراف الدولية، و الهيئات الأمميّة، إنصافنا أمام هذا العدوان   و حمايتنا، فسنلجأ إلى مقارعة هؤلاء المعتدين بأساليبهم، و سنوسّع دائرة  الحرب، و سنحرق هذه المنطقة، و هي أحد شرايين الاقتصاد العالميّ، و أحد معابر التّجارة العالميّة، و نضرب بقوة في كلّ الجهات، و في كلّ الأمداء الممكنة، لإيلام العدوّ، و تدمير ما يمكننا تدميره من قوّته، و مصالحه و مرتكزاته.

 و بيان هذا الأمر، أنّك حين تخاطب عدوّك، المعتدي عليك بلغته، و تواجهه بأسلوبه، فأنت،في هذه الحال، تَكسر هَيبته، و تُضعف سيطرته، و تزلزل ثقته، و تَفُلّ عزيمته، و تُضاعف حَيرته، فتُفقده تحكّمه و توازنه...و حينئذ قد تَتساويان،أنت و عدوّك، في القتال و الاستبسال، و لكنّك قد تتفوّق عليه في الصّمود، و في الإصرار و التصميم، لأنّك صاحب الحقّ المُعتدى عليه.

 و يبدو أنّ الإيرانيّين قد نجحوا،في هذا المَسعى،إلى حدّ الآن، حين نَقلوا إيلامًا كبيرًا إلى الجهات المعتدية، و كبّدوها أضرارًا و خسائر.و نجحوا،أيضًا، حين مارسوا ضغطًا كبيرًا على دول كثيرة،في العالم، التي تضرّرت مصالحها كثيرًا، بسبب هذه الحرب العدوانيّة التي أضرمتها عصابة ابستين، من الصّهاينة و الأمريكيّين.

 و هذا الرّد الإيراني « الشّرِس »، أو هذه اللّغة الإيرانيّة المفاجئة، يبدو أنّ الجهات المعتدية قد فهمته جيّدًا، بعدما قرأته مَليًّا.و يبدو أنّ الجميع،أيضًا، في دول الخليج و أروبّا، و في تركيا و روسيا و الصّين، و في أماكن مختلفة من العالم، قد أَلقَوا  السّمع جيّدًا، و فهموا هذه اللّغة الإيرانيّة المفاجئة.

و على ضوء كلّ ما تقدّم، يمكن فهم هذا التّململ العالميّ، و هذه المواقف المختلفة للدّول و الحكومات التي بدأت تتشكّل،هنا و هناك، و تحرّك الأساطيل، و اللّقاءات السّرية، و إعلان الوساطات، و الاجتماعات المرتقبة، و اللّقاءات المنتظرة...و كلّ هذه الأطراف العالميّة قد تضرّرت،بنسب مختلفة ،من تداعيات هذه الحرب العدوانيّة التي توشك أن تتوسّع رقعتها فتكون،حينئذ، مفتوحة على كلّ الاحتمالات.


02 مارس، 2026

العدوان الصّهيوني الأمريكيّ على إيران

                                        

دائرة الإيلام التي قد تستهدفها إيران،في ردّها على العدوان الصّهيوني الأمريكيّ، هي أوسع مما يُعتقد.و الآثار النّاشئة عن هذا الإيلام، قد تشمل منطقة الخليج العربي كلّها، بما فيها استهداف للقواعد العسكريّة الأمريكيّة، في الخليج و في منطقة الشرق الأوسط.و قد تمتدّ آثار هذا الإيلام إلى تهديد المصالح الحيويّة الأمريكيّة،أو تعطيلها، و تهديد لدول المنطقة و شعوبها، و مصالحها المختلفة.

 و إذا طال زمن هذه الحرب العدوانيّة، و اتّسعت رقعتها، فإنّ آثار هذا الإيلام قد يشمل سلاسل التوريد العالميّة، و حركة التّجارة العالميّة التي تتّخذ من المنطقة معبرًا حيويًّا لها.و في هذا الأمر تهديد،أو تدمير، لمصالح كثير من الدّول في العالم.

و لكنّ الإيلام الكبير،المصحوب بالرّعب، قد تصنعه حُمَم الموت التي تقذفها الصّواريخ الإيرانيّة،في العمق الإسرائيلي،أيْ في فلسطين المحتلّة،كما حدث  السّنة الماضية في شهر جوان.

الإيلام،إذن، المتعدّد الاتّجاهات،مع استيعاب الضّربات العدوانيّة، و احتواء آثارها، قد يحقّق لإيران صمودَها النّوعي، أمام الاعتداء الصّهيوني الأمريكيّ الوحشيّ، و يضمن لها، بالتّبعية و المآل، المحافظة على استقلاليّة قرارها السّياسي، و المحافظة على سيادتها، و إبقاء هذا القرار السّياسي في أيديها، لا في يد أمريكا و إسرائيل.

 


20 فبراير، 2026

أكفان ناعمة و لَحْد من ورق

 

عرفتُ مريم نور اليقين، قبل أن يصلني مولودها الفنّي الأخير.عرفتها في القاعات و المحاضرات، و في الامتحانات أيضًا.و قد لفتت انتباهي، بجملة من الأوصاف تَحُوزها، و الخصائص.و من بينها، لغتُها ذات الدّلالة و المستوى، و أجوبتها المتميّزة. و كذلك لفتت انتباهي بمجموع أفكارها، في النّقاش الذي كنت أفتحه مع الطّلبة، و في إبداء المواقف و الملاحظات.

و مولودها الفنّي الأخير: ( أكفان ناعمة و لَحْد من ورق ) ، هو تأكيد لهذا الانطباع الأوّل، و تجسيد لقدرتها على الكتابة الإبداعية ، و امتلاكها للنَّفَس الطّويل الذي يؤهّلها لأن تكون قلمًا جادًّا واعدًا، و صوتًا نديًّا مُسْمعًا.

و ( أكفان ناعمة و لَحْد من ورق ) هي مجموعة خواطر، أو هي مجموعة آلام و جُروح تتنفّس وَجَعًا،كما جاء في وصف هذه المجموعة، أرادت لها صاحبتُها،كما تقول، أنْ تُكفّنها بالكلمات،الأكفان النّاعمة، و أنْ تُودعها في صفحات، و تُشَيّعها إلى لَحد الورق، مثواها الأخير بلا قيامة أخرى.

 و إذا كانت الخاطرة هي فنّ أدبيّ، معنيٌّ بتسجيل اللّحظات الشّعورية الفائقة، و أدواتُ بنائه هي التكثيف اللغوي الذي يُظهر فَيْض المعنى و عمقه، و يُنشئ الوَقْع و التّأثير، و يرسم الظّلال، و يصنع الإيحاء...مضافًا إليها يقظةُ الوجدان، و التّدفق العاطفي، و الصّور الفنّية، و الخيال الخصيب...إذا كانت هذه بعض أسس الخاطرة، و أدوات بنائها ، فإنّ مريم نور اليقين، قد حازت منها على نصيب وافر، و فازت بحظّ ظاهر.و لكنّها،في المقابل، هي معنيّة أكثر بقراءة ما تيسّر من الخواطر و القصص، عند الكاتبين الكبار، لشَحذ أدوات الكتابة التي تمتلكها، و تثبيت قدرتها في هذا الفنّ التي تحبّه و تمارسه، وتحقيق الإبداع فيه، و التّفوق و السَّبق.

و هذه الهِمّة حين تتحقّق،و مريم جديرة بتحقيقها، هي التي تؤهّلها لامتلاك ناصية الكتابة التي تحبّها،كما تقول في خواطر الأكفان النّاعمة، و هي التي تَفتح لها،حينئذ، أبوابًا من الفهم و الوعي، و الاكتمال و النّضج الفنّي، يجعل كتابتها تنتقل من حال إلى حال، و تتزيّا،كالحَسناء، في كلّ إطلالة جديدة و موعد بثوب جديد، لأنّ الكتابة الفنية ،كيفما كانت، هي تجدّد و تطوير، و مراتب و مقامات، و صعود و ارتقاء، و هي أنواع لا تَبْلَى، و ألوان لا تَفنى من الجمال و الإبداع.

مريم نور اليقين...

لقد سعدتُ بقراءة خواطرك، و استمتعت بتقليب صفحاتها، و الامتلاء بشِحنتها الشّعورية.و إنّي لأتوسّم فيك الخير، مؤمّلاً أن يكون لهذه الخواطر ما بعدها، و أن تكون لك قَدَم ثابثة في هذا الفنّ الجميل، و أن يكون لك اسمٌ و رَسمٌ، في عالم الكتابة و الإبداع، عالم الشّفافية و الأبديّة و الخلود.


02 يناير، 2026

الموتُ ليس واحدًا



الموتُ ليس واحدًا، بل هو موتان.الموتُ يختلف في وَقْعه، و في دلالاته.و يختلف في آثاره التي يُخلّفها، و في مجموع المعاني التي يُؤبّدها، و المعالم التي يَنصبها و يُقيمها.

هناك موت يُحْيي صاحبه، و يرفع ذكره،و يَنشر اسمَه و رَسمه، و يُخلّد أثَره.

و هناك موت يُعَفّي أَثر صاحبه، و يَطويه كما يَطوي السّجلُّ الكتاب.  

تعدّدت الأسباب.نعم.و لكنّ الموت ليس واحدًا.




31 ديسمبر، 2025

فقدان القائد خسارة و لكن...


 

إنّ فُقدان القائد هو خسارة.و هذه الخسارة التي يستشعرها النّاس من فقدان القائد، ليست لشخصه أو اسمه، و إنّما لِما يمثّله من قِيَم كان يجسّدها في أقواله، و يتبنّاها في أفعاله و مواقفه، تجعل العقيدة التي يؤمن بها، أو الفكرة التي يعتنقها تَرتدّ حيّةً قويّة بين الأحياء، ماثلة أمام العيون،تأكل الطّعام، و تمشي في الأسواق.

و فقدان القائد هو خسارة،أيضًا، لِما كان يتمتّع به من هَيبة و حضور، و جاذبيّة و تأثير، و تميّز و سَبْق، و مواهبَ و مَلَكات، و قدرة نوعيّة و حُسن تدبير...تجعل أفئدة من النّاس تَهوي إليه، متمثِّلةً به، و مؤمنةً بنَهجه و مِنهاجه، أو متعاطفة معه، مُكْبِرةً ما يُمثّله و ما يجسّده...

إنّ فُقدان القائد هو خسارة و لكنّ حركات المقاومة عمومًا،في أيّ مكان، لا تتأثّر كثيرًا بفقدان قادتها، و تَغْييب رجالاتها لسبب ظاهر قويّ، و هو أنّ ولاءها قادةً و جنودًا، في كلّ الظّروف    و الأحوال، هو للعقيدة التي توحّد قلوبهم،و تضاعف مقاومتهم، و تنظّم صفوفهم، في حركتهم و سكونهم.و وفاؤهم و إخلاصهم، هو للقيم و الأفكار التي يُعرفون بها، و يقاتلون من أجلها.

و إذا استحضرنا قائمة القيادات،في حركة #حماس، الذين قَضَوا في الميدان، أو الذين اغتالتهم إسرائيل منذ الانتفاضة الأولى ( 1987-1993 )، و مرورًا بالانتفاضة الثانية ( 2000-2005 )، و وصولاً إلى عمليّة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023...إذا استحضرنا كلّ هذه المشاهد  و الفصول، يَستبين لنا أنّ حماس حركة ولاّدة، و قد نجحت في كلّ الامتحانات منذ تأسيسها سنة 1987: فقد استطاعت احتواء الآثار النّاجمة عن استشهاد قادتها السّياسيّين و العسكريّين، و استطاعت،أيضًا، التّكيف مع الأوضاع و الظّروف الصّعبة التي أحاطت بها،متجاوزةً ادّعاءات العدوّ و همجيّته و إرهابه، و أنّ الضّربات المتعاقبة لم تَزِدها إلاّ صلابة و نضجًا، و أنّ الضّغط و التّضييق المتلاحق، لم يزدها إلاّ توحّدًا و التحامًا، و أَكْسبها قوّة و تصميمًا.

 

(...و اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرهِ و لَٰكنَّ أَكثر النَّاس لا يَعلمُون ). يوسف- الآية 21

أيْ أنّ الله،جلّ و علا، مُتِمٌ قدرَه، يَقهر النّاس على أَمره، و يَقهرهم على ما أراد.و كلّ ما حصل ليوسف من إخوته،و ما عاناه من محنة الاسترقاق، و ما وقع له مع امرأة العزيز، و دخوله السّجن...كلّ ذلك كان من أمر الله و تقديره: فهو الغالب على أمره، و قضاؤه هو الغالب.و بأمره و تقديره، تقع الأحداث، و تتهيّأ الظّروف، و تترتّب الأحوال، ليقع أمر الله الذي لا رادَّ له، و ليقع أمر الله الذي يكون،دائمًا، مفعولاً، و لَكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون.

و قد نزل هذا التّعقيب، في سياق قصّة يوسف عليه السّلام، بعد إلقائه في غَيابات الجُبّ،و في لحظات و ظروف، لا تظهر فيها بوضوح، ما دبَّره الله ليوسف من تمكين في الأرض، و سيادة   و حكم و غَلَب.

و كثيرًا ما يريد النّاس أمرًا، و لكنّ الله تعالى يريد أمرًا آخر، فلا شيءَ يَمنعه عمّا يريد، و لا أَحدَ يُنازعه في ما يُريد.و هو القاهر فوق عباده، يَعلم ما لا يعلمون، متحكِّمٌ في الأقدار كلّها، يهيّئ الظّروف و المواقيت، و يصنع العواقب و الخواتيم، و (...اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرهِ و لَٰكنَّ أَكثر النَّاس لا يَعلمُون ).  

 


30 ديسمبر، 2025

#جنوب_شرق_آسيا...#المجال_الحيوي للصّين

 


يحتضن إقليم يونان،في جنوب غرب الصّين،يومي الأحد و الاثنين 28-29 ديسمبر 2025، اجتماعًا بين #كمبوديا و #تايلاندا، لتأكيد اتّفاق وقف إطلاق النّار، الموقّع بينهما يوم السّبت 27 ديسمبر،و البحث عن الحلول، و الإجراءات المناسبة، لتعزيز الثّقة بين البلدين، و استعادة السّلام و الاستقرار، في المنطقة الحدوديّة بينهما. و احتضان الصّين لهذا الاجتماع،و رعايتها له، جاء بعد فشل الوساطة التي ادّعاها #دونالد_ترامب بين البلدين المتحاربَين،في 12 ديسمبر الماضي.و هذا الاجتماع يُفوّت عليه،في الوقت نفسه، فرصة التّباهي و الإعلان أنّه رجل السّلام،و أنّه أوقف الحرب بين كمبوديا و تايلاندا. و لكنّ هذا الاجتماع الثّلاثي الذي تحتضنه الصّين و ترعاه، دلالته أبعد من ذلك و أوسع.و توضيح الأمر أنّ الصّين باحتضانها،و رعايتها لهذا الاجتماع، كأنّها تعتبر جنوب شرق آسيا مجالها الحيويّ،و هي تدافع عن مجالها الحيويّ بمزاحمة النّفوذ الأمريكي، و محاصرته في هذه المنطقة. و لتأكيد هذا الأمر، يمكن الإشارة إلى أنّ الصّين قد وقّعت،في 28 أكتوبر 2025،على نسخة موسَّعة من اتّفاقية التّجارة الحرّة،مع #الآسيان،و هي: #رابطة_دول_جنوب_شرق_آسيا و تضمّ: ( ماليزيا، سنغافورة، إندونيسيا، الفلبّين، تايلاند، كمبوديا، فيتنام، لاوس، بروناي، ميانمار، و تيمور الشّرقية التي انضمّت إلى المنظّمة في أكتوبر 2025 ).و تستهدف الصّين بهذه النّسخة الموسَّعة تقديم نفسها بديلاً مأمونًا لسياسات دونالد ترامب الحمائيّة، و إرساء فضاء تجاريّ، أكثر استقرارًا لأعضاء دول آسيان الذين تضرّروا من نسب الزّيادات الجمركيّة التي فرضتها الولايات المتّحدة.

الدّرس الإيراني

     تُعتبر الحرب على إيران،أو حرب الاثني عشر يومًا ، النّاشئة من العدوان الصّهيوني،يوم 13 جوان 2025، و حرب الأربعين يومًا ،في 28 فبراير 202...