21 مارس، 2026

للصّائم فرحتان...


يحظَى الصّيام،بين سائر العبادات، بالمكانة الخاصّة و الدّرجة العُليا.و سبب هذه الحظوة، أنّ الله ربط الصّيام بذاته العَليّة: (...الصّيام لي و أنا أَجزي به ).

و قد قيل في سبب نسبة الصّيام إلى الله، و إضافته إليه، معانٍ كثيرة من بينها: أنَّ الصيام هو امتناعٌ عن شهوات النّفس، و تجاوز لنداءاتها القاهرة، و استعلاء على صَيحات الجسد القويّة، في أيّام معدودات، وَفق نظام معيَّن و توقيت معلوم.و حين يمتنع الإنسان المؤمن عن شهواته، و يقاوم نداءها،طاعةً لله، و هو قادرٌ على تلبية هذا النّداء، فإنّ ذلك يكون عنوانًا على صحّة إيمانه، وإخلاص عبادته.و من ثَمَّ فإنّ الله تعالى يتقبّل عمله، و يَنسبه لذاته العَليّة، من بين سائر أعماله.و هذا الأمر لا يوجد في عبادة أخرى غير الصّيام.

 و لمّا كان الصّيام بهذه المكانة العظيمة، و هذا القَدْر الجليل، فقد جعل الله لصائمه،كما ورد في الصّحيحَين، و في غيرهما، فرحتَين اثنتين: ( فرحةٌ حين يُفطر و فرحةٌ حين يَلقَى ربَّه...).

هما،إذن، فرحتَان اثنتان: إحداهما معجَّلة، و الأخرى مؤجَّلة. فأمّا الفرحة المعجَّلة، فهي فرحته بإفطاره، و أمّا الفرحة الأخرى المؤجَّلة، فهي فرحته بصومه حين يلقَى الله.

فأمّا الفرحة الأولى المعجَّلة، فقد أشار إليها ابن رجب الحنبلي، في كتابه ( لطائف المعارف في ما لمواسم العام من وظائف ) حين قال: « أمّا فرحة الصّائم عند فطره، فإنّ النّفوس مَجْبولة على المَيل إلى ما يلائمها، من مَطعم ومَشرب ومَنكح.فإذا مُنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثمّ أُبيح لها في وقت آخر، فَرحت بإباحة ما مُنعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه.فإنّ النّفوس تفرح بذلك طبعًا...».

 فرحة الصّائم،إذن، سببُها ما يحصل عليه بالإباحة، من أمور هي حبيبة إلى النّفس، كالطّعام و الشّراب و المَنكح.و هي من الوظائف الحيويّة التي يتوقّف عليها وجود الإنسان، و نموّه و استمرار حياته.و هذه الفرحة ،أيضًا، إنّما يُنشئها،أو يُضاعفها، زوالُ المَنع فيُدرك الصّائم ما مُنع منه فإنّه،حينئذ، يفرح بإدراكه لهذا الممنوع، لأنّ المنع كان في أمر حبيب إلى النّفس، كالطّعام و الشّراب، و أحبّ شيء إلى الإنسان ما مُنِعَه.

و يمكنني أن أضيف،في تواضع و وَجَل، سببًا آخر لهذه الفرحة المعجَّلة، خلاصتُه أنّ الإنسان المؤمن قد يحقّق في عبادة الصّيام أمرَين جَليلَين، و جانبَين عظيمَين، و هما: الجانب العِباديّ الذي خُلق له، و هو مناط تكليفه و ابتلائه، و يحقّق،في الوقت نفسه، الجانب الإنسانيّ حين تسيطر رُوحه على جسده، و تتصاعد إرادتُه، فيمتنع،حرًّا مُريدًا لا تابعًا مُكرَهًا، عن طعامه و شرابه، و سائر شهواته و لذّاته التي ألِفَها أزمانًا، و اسْتنام لها مُددًا و أوقاتًا،و يخرج،طاعةً لربّه و انقيادًا له، من سجن عاداته اليوميّة القاهرة، و ضغط مطالبه المَألوفة.و كلّ أولئك هو تجسيد للإرادة الفعّالة، و ارتفاع عن دَرَكات الحيوانيّة، و تحقيق ظاهر لدرجات الإنسانيّة الفائقة.

 الفرحة المعجَّلة يوم الفطر،إذنْ، سَببُها نجاحُ الصّائم في تحقيق عبوديّته،في أيّام معدودات، وَفق نظام معيَّن، و توقيت معلوم.و نجاحُه،أيضًا، في تحقيق إنسانيّته، في عبادة الصّيام بالانتصار على النّفس، و التّحكم في مطالبها المتعاقبة، و تكبيل نزواتها الآنيّة.و هذان الأمران كلاهما مقصودان مجموعًا و استقلالاً، في امتحان رمضان و في غيره.

 أمّا فرحة الصّائم الأخرى المؤجَّلة، فهي فرحُه بصومه حين يلقَى الله، و ما أعدّه الله له من الثّواب و المزيّة و السَّبق.و لكنّ هذه الفرحة المؤجَّلة ما هي أوصافها ؟ و كيف تكون ؟ و هل هي فرحة كفرحة الدّنيا، أم هي فرحة أخرى، لها طَعْمها و وَقعُها و سرُّها...؟ و كيف يعيشها الصّائم ؟ و كيف يكون شعوره، حين يتحقّق هذا اللّقاء المَهيب، في عالم الأرواح و الملكوت...؟

إنّنا لا نعلم شيئًا عن هذه الفرحة، و لا نحيط بوصف واحد من أوصافها، لأنّها فرحةٌ نَسيجُ وَحْدِها، و هي ممّا أُخفِي من المسرّات للصّائمين.و لكنّ مجرّد التّفكير في هذا الأمر، و إطلاق الخيال لمتابعته، و محاولة تصوّره، ينقلنا إلى هذه العوالم العُلويّة القُدسيّة الأبديّة التي تَزهو فيها النّفوس فتَنتَشي، و ترقص الأرواح فتفرح و تتباهَى، و حقَّ لها أن ترقص، و أن تفرح و تزداد.

  

لماذا اغتيال القادة السّياسيّين و العسكريّين، في إيران...؟

 


مسلسل اغتيال القادة السّياسيّين و العسكريّين الإيرانيّين، هل هو مقدّمة لنتيجة،أو نتائج، مرتقبة ؟

قد يكون كذلك.و هذه الاغتيالات ،حين تتصاعدت وتتّسع دائرتُها، قد تستهدف أمرين اثنين:

1-  إزاحة الشّخصيات القوّية، صعبة المِراس، ذات المناصب الحسّاسة،و تغييب الشّخصيات العَصيّة، ذات الجاذبيّة، و ذات الهيبة و التأثير الواسع.و كأنّ التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، يعتقد أنه ،بعد استهداف هذه الشّخصيات النّوعية، و استهداف قادة الصّف الأوّل، يمكن لأولئك الذين يَلُونهم، من قادة الصّف الثّاني قليلي التّجربة و الخبرة، أن يُعلنوا استسلامهم، و يُذعنوا لشروط التّحالف المعتدي.

و قد ثبت بطلان هذا الاعتقاد،في غزة ،و في جنوب لبنان، بعد الاغتيالات النّوعية التي استهدفت قيادات الصّف الأوّل.و المظنون أنّ التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، يتعامل مع الإيرانيّين و قادتهم، كما كان الكاوبوي الأمريكيّ Cowboy ، المستعمر الذي قاد حملات الغزو و التّطهير العرقيّ، في الغرب الأمريكيّ، يتعامل مع الهنود الحُمر،سكّان أمريكا الأصليّين: يكفي أن يقتل القادة و الزّعماء، و يَغتال المحاربين الأشاوس حتّى تأتيه القبيلة كلّها خاضعة خانعة، تستجدي عطفه، و تتوسّل رحمته.

2-  اغتيال القادة السّياسيّين و العسكرّيين الإيرانيّين قد يكون مقدّمة،و ترتيبًا أيضًا، لإنزال برّي في منطقة محدّدة، حيويّة أو استراتيجية،في إيران، مثل جزيرة خرج، أكبر محطة لتصدير النّفط في العالم، للاستيلاء عليها و خنق النّظام الإيرانيّ، و قطع رئته الاقتصاديّة التي تضمن له الحياة، و المناورة و الصّمود.و على ضوء هذا التّرتيب قد يُفهم سبب عدم استهداف التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، المنشآت البتروليّة، في جزيرة خرج الإيرانيّة.

و تبعد جزيرة خرج، حوالي 30 كيلومتر عن السّاحل الإيرانيّ.و تقع حوالي 480 كيلومتر شمال مضيق هرمز.و تخضع الجزيرة لإدارة محافظة بوشهر المجاورة.


12 مارس، 2026

الجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم

 


إذا كان للجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم، كما ذكر، منذ أكثر من 2400 سنة، الفيلسوف الصّيني سان تزو Sun Tzu، في كتابه ( فنّ الحرب )، فإنّ العالم العربي و الشرق الأوسط، يتمتّع بموقع استراتيجيّ، و يمتلك معابر بحريّة و منافذ مائيّة، تؤهّله للسّيطرة على الملاحة الدّولية، و التّحكم في التّجارة العالميّة،و فرض شروطه، و إثبات قوّته و هَيبته، و تحقيق سيادته و ريادته، كاملة غير منقوصة.

 و قد أثبت الصّمود الإيرانيّ، في وجه العدوان الأمريكيّ الصّهيوني، و التّهديد الكبير حول مضيق هرمز، أنّ العرب و المسلمين، يمتلكون من أوراق القوّة، و من وسائل الضّغط و الإيلام، ما يجعلهم سادة مَهيبي الجانب، لا أذلّةً تابعين، يُعطون الجزية عن يَدٍ و هم صاغرون.


08 مارس، 2026

الرّد الإيراني على العدوان: هل هو انتحار...؟

 


إنّ الرّد الإيراني « الشّرِس » الذي اّتخذ اتّجاهات مختلفة، و هو يتصاعد بوتيرة محسوبة- قد يجد بعض التّأييد،عند قطاع كثير من النّاس، لأنه نتيجة اعتداء صارخ تعرّضت له إيران،أثناء مفاوضات، انتهت بتنازلات كبيرة، في ملفّها النّووي، و في موضوع تخصيب اليورانيوم، بشهادة الوسيط العماني.

و إنّ هذا الرّد الإيراني،بمظاهره التي يتابعها العالم، ليس انتحارًا أخلاقيًّا، كما قد يتوهّم البعض،و ليس انزلاقًا غير مضمون العواقب، و إنّما هو سلوك محسوب، و هو لغة تتضمّن خطابًا تفهمه جيّدًا، الجهات المعتدية.

 و توضيح هذا الأمر، أنه لمّا كان العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، هو تجاوز للقانون الدّولي، و تجاوز للأعراف الدّولية،بشكل صارخ، فكأنّ إيران لجأت الى مقارعة العدوان بالأساليب نفسها التي يعتمدها.و كأنّ إيران تقول للعالم: إذا لم يستطع القانون الدولي، و الأعراف الدولية، و الهيئات الأمميّة، إنصافنا أمام هذا العدوان   و حمايتنا، فسنلجأ إلى مقارعة هؤلاء المعتدين بأساليبهم، و سنوسّع دائرة  الحرب، و سنحرق هذه المنطقة، و هي أحد شرايين الاقتصاد العالميّ، و أحد معابر التّجارة العالميّة، و نضرب بقوة في كلّ الجهات، و في كلّ الأمداء الممكنة، لإيلام العدوّ، و تدمير ما يمكننا تدميره من قوّته، و مصالحه و مرتكزاته.

 و بيان هذا الأمر، أنّك حين تخاطب عدوّك، المعتدي عليك بلغته، و تواجهه بأسلوبه، فأنت،في هذه الحال، تَكسر هَيبته، و تُضعف سيطرته، و تزلزل ثقته، و تَفُلّ عزيمته، و تُضاعف حَيرته، فتُفقده تحكّمه و توازنه...و حينئذ قد تَتساويان،أنت و عدوّك، في القتال و الاستبسال، و لكنّك قد تتفوّق عليه في الصّمود، و في الإصرار و التصميم، لأنّك صاحب الحقّ المُعتدى عليه.

 و يبدو أنّ الإيرانيّين قد نجحوا،في هذا المَسعى،إلى حدّ الآن، حين نَقلوا إيلامًا كبيرًا إلى الجهات المعتدية، و كبّدوها أضرارًا و خسائر.و نجحوا،أيضًا، حين مارسوا ضغطًا كبيرًا على دول كثيرة،في العالم، التي تضرّرت مصالحها كثيرًا، بسبب هذه الحرب العدوانيّة التي أضرمتها عصابة ابستين، من الصّهاينة و الأمريكيّين.

 و هذا الرّد الإيراني « الشّرِس »، أو هذه اللّغة الإيرانيّة المفاجئة، يبدو أنّ الجهات المعتدية قد فهمته جيّدًا، بعدما قرأته مَليًّا.و يبدو أنّ الجميع،أيضًا، في دول الخليج و أروبّا، و في تركيا و روسيا و الصّين، و في أماكن مختلفة من العالم، قد أَلقَوا  السّمع جيّدًا، و فهموا هذه اللّغة الإيرانيّة المفاجئة.

و على ضوء كلّ ما تقدّم، يمكن فهم هذا التّململ العالميّ، و هذه المواقف المختلفة للدّول و الحكومات التي بدأت تتشكّل،هنا و هناك، و تحرّك الأساطيل، و اللّقاءات السّرية، و إعلان الوساطات، و الاجتماعات المرتقبة، و اللّقاءات المنتظرة...و كلّ هذه الأطراف العالميّة قد تضرّرت،بنسب مختلفة ،من تداعيات هذه الحرب العدوانيّة التي توشك أن تتوسّع رقعتها فتكون،حينئذ، مفتوحة على كلّ الاحتمالات.


02 مارس، 2026

العدوان الصّهيوني الأمريكيّ على إيران

                                        

دائرة الإيلام التي قد تستهدفها إيران،في ردّها على العدوان الصّهيوني الأمريكيّ، هي أوسع مما يُعتقد.و الآثار النّاشئة عن هذا الإيلام، قد تشمل منطقة الخليج العربي كلّها، بما فيها استهداف للقواعد العسكريّة الأمريكيّة، في الخليج و في منطقة الشرق الأوسط.و قد تمتدّ آثار هذا الإيلام إلى تهديد المصالح الحيويّة الأمريكيّة،أو تعطيلها، و تهديد لدول المنطقة و شعوبها، و مصالحها المختلفة.

 و إذا طال زمن هذه الحرب العدوانيّة، و اتّسعت رقعتها، فإنّ آثار هذا الإيلام قد يشمل سلاسل التوريد العالميّة، و حركة التّجارة العالميّة التي تتّخذ من المنطقة معبرًا حيويًّا لها.و في هذا الأمر تهديد،أو تدمير، لمصالح كثير من الدّول في العالم.

و لكنّ الإيلام الكبير،المصحوب بالرّعب، قد تصنعه حُمَم الموت التي تقذفها الصّواريخ الإيرانيّة،في العمق الإسرائيلي،أيْ في فلسطين المحتلّة،كما حدث  السّنة الماضية في شهر جوان.

الإيلام،إذن، المتعدّد الاتّجاهات،مع استيعاب الضّربات العدوانيّة، و احتواء آثارها، قد يحقّق لإيران صمودَها النّوعي، أمام الاعتداء الصّهيوني الأمريكيّ الوحشيّ، و يضمن لها، بالتّبعية و المآل، المحافظة على استقلاليّة قرارها السّياسي، و المحافظة على سيادتها، و إبقاء هذا القرار السّياسي في أيديها، لا في يد أمريكا و إسرائيل.

 


للصّائم فرحتان...

يحظَى الصّيام،بين سائر العبادات، بالمكانة الخاصّة و الدّرجة العُليا.و سبب هذه الحظوة، أنّ الله ربط الصّيام بذاته العَليّة: (...الصّيام لي و ...