عرفتُ مريم نور
اليقين، قبل أن يصلني مولودها الفنّي الأخير.عرفتها في القاعات و المحاضرات، و في
الامتحانات أيضًا.و قد لفتت انتباهي، بجملة من الأوصاف تَحُوزها، و الخصائص.و من
بينها، لغتُها ذات الدّلالة و المستوى، و أجوبتها المتميّزة. و
كذلك لفتت انتباهي بمجموع أفكارها، في النّقاش الذي كنت أفتحه مع الطّلبة، و في
إبداء المواقف و الملاحظات.
و مولودها الفنّي
الأخير: ( أكفان ناعمة و لَحْد من ورق ) ، هو تأكيد لهذا الانطباع الأوّل، و تجسيد
لقدرتها على الكتابة الإبداعية ، و امتلاكها للنَّفَس الطّويل الذي يؤهّلها
لأن تكون قلمًا جادًّا واعدًا، و صوتًا نديًّا مُسْمعًا.
و ( أكفان ناعمة
و لَحْد من ورق ) هي مجموعة خواطر، أو هي مجموعة آلام و جُروح تتنفّس وَجَعًا،كما
جاء في وصف هذه المجموعة، أرادت لها صاحبتُها،كما تقول، أنْ تُكفّنها
بالكلمات،الأكفان النّاعمة، و أنْ تُودعها في صفحات، و تُشَيّعها إلى لَحد الورق،
مثواها الأخير بلا قيامة أخرى.
و إذا كانت الخاطرة هي فنّ أدبيّ، معنيٌّ بتسجيل اللّحظات الشّعورية الفائقة، و أدواتُ بنائه هي التكثيف اللغوي الذي يُظهر فَيْض المعنى و عمقه، و يُنشئ الوَقْع و التّأثير، و يرسم الظّلال، و يصنع الإيحاء...مضافًا إليها يقظةُ الوجدان، و التّدفق العاطفي، و الصّور الفنّية، و الخيال الخصيب...إذا كانت هذه بعض أسس الخاطرة، و أدوات بنائها ، فإنّ مريم نور اليقين، قد حازت منها على نصيب وافر، و فازت بحظّ ظاهر.و لكنّها،في المقابل، هي معنيّة أكثر بقراءة ما تيسّر من الخواطر و القصص، عند الكاتبين الكبار، لشَحذ أدوات الكتابة التي تمتلكها، و تثبيت قدرتها في هذا الفنّ التي تحبّه و تمارسه، وتحقيق الإبداع فيه، و التّفوق و السَّبق.
و هذه الهِمّة
حين تتحقّق،و مريم جديرة بتحقيقها، هي التي تؤهّلها لامتلاك ناصية الكتابة التي
تحبّها،كما تقول في خواطر الأكفان النّاعمة، و هي التي تَفتح لها،حينئذ، أبوابًا
من الفهم و الوعي، و الاكتمال و النّضج الفنّي، يجعل كتابتها تنتقل من حال إلى
حال، و تتزيّا،كالحَسناء، في كلّ إطلالة جديدة و موعد بثوب جديد، لأنّ الكتابة الفنية ،كيفما كانت، هي تجدّد و تطوير، و مراتب و
مقامات، و صعود و ارتقاء، و هي أنواع لا تَبْلَى، و ألوان لا تَفنى من الجمال و
الإبداع.
مريم نور اليقين...
.jpg)
%20(2).jpg)
.jpg)

