إنّ فُقدان
القائد هو خسارة.و هذه الخسارة التي يستشعرها النّاس من فقدان القائد،
ليست لشخصه أو اسمه، و إنّما لِما يمثّله من قِيَم كان يجسّدها في أقواله، و
يتبنّاها في أفعاله و مواقفه، تجعل العقيدة التي يؤمن بها، أو الفكرة التي يعتنقها
تَرتدّ حيّةً قويّة بين الأحياء، ماثلة أمام العيون،تأكل الطّعام، و تمشي
في الأسواق.
و فقدان القائد
هو خسارة،أيضًا، لِما كان يتمتّع به من هَيبة و حضور، و جاذبيّة و تأثير، و تميّز
و سَبْق، و مواهبَ و مَلَكات، و قدرة نوعيّة و حُسن تدبير...تجعل أفئدة من النّاس تَهوي
إليه، متمثِّلةً به، و مؤمنةً بنَهجه و مِنهاجه، أو متعاطفة معه، مُكْبِرةً ما
يُمثّله و ما يجسّده...
إنّ فُقدان
القائد هو خسارة و لكنّ حركات المقاومة عمومًا،في أيّ مكان، لا
تتأثّر كثيرًا بفقدان قادتها، و تَغْييب رجالاتها لسبب ظاهر قويّ، و هو أنّ ولاءها
قادةً و جنودًا، في كلّ الظّروف و
الأحوال، هو للعقيدة التي توحّد قلوبهم،و تضاعف مقاومتهم، و تنظّم صفوفهم، في حركتهم
و سكونهم.و وفاؤهم و إخلاصهم، هو للقيم و
الأفكار التي يُعرفون بها، و يقاتلون من أجلها.
و إذا استحضرنا
قائمة القيادات،في حركة #حماس، الذين قَضَوا في الميدان، أو
الذين اغتالتهم إسرائيل منذ الانتفاضة الأولى ( 1987-1993 )، و مرورًا بالانتفاضة
الثانية ( 2000-2005 )، و وصولاً إلى عمليّة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023...إذا
استحضرنا كلّ هذه المشاهد و الفصول، يَستبين
لنا أنّ حماس حركة ولاّدة، و قد نجحت في كلّ الامتحانات منذ تأسيسها سنة 1987: فقد
استطاعت احتواء الآثار النّاجمة عن استشهاد قادتها السّياسيّين و العسكريّين، و
استطاعت،أيضًا، التّكيف مع الأوضاع و الظّروف الصّعبة التي أحاطت بها،متجاوزةً
ادّعاءات العدوّ و همجيّته و إرهابه، و أنّ الضّربات المتعاقبة لم تَزِدها إلاّ صلابة
و نضجًا، و أنّ الضّغط و التّضييق المتلاحق، لم يزدها إلاّ توحّدًا و التحامًا، و
أَكْسبها قوّة و تصميمًا.
(...و اللَّهُ
غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرهِ و لَٰكنَّ أَكثر النَّاس لا يَعلمُون ). يوسف- الآية
21
أيْ أنّ الله،جلّ
و علا، مُتِمٌ قدرَه، يَقهر النّاس على أَمره، و يَقهرهم على ما أراد.و كلّ ما حصل
ليوسف من إخوته،و ما عاناه من محنة الاسترقاق، و ما وقع له مع امرأة العزيز، و
دخوله السّجن...كلّ ذلك كان من أمر الله و
تقديره: فهو الغالب على أمره، و قضاؤه هو الغالب.و بأمره و تقديره، تقع الأحداث، و
تتهيّأ الظّروف، و تترتّب الأحوال، ليقع أمر الله الذي لا رادَّ له، و ليقع أمر
الله الذي يكون،دائمًا، مفعولاً، و لَكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون.
و قد نزل هذا التّعقيب،
في سياق قصّة يوسف عليه السّلام، بعد إلقائه في غَيابات الجُبّ،و في لحظات و ظروف،
لا تظهر فيها بوضوح، ما دبَّره الله ليوسف من تمكين في الأرض، و سيادة و حكم و غَلَب.
و كثيرًا ما يريد
النّاس أمرًا، و لكنّ الله تعالى يريد أمرًا آخر، فلا شيءَ يَمنعه عمّا يريد، و لا
أَحدَ يُنازعه في ما يُريد.و هو القاهر فوق عباده، يَعلم ما لا يعلمون، متحكِّمٌ
في الأقدار كلّها، يهيّئ الظّروف و المواقيت، و يصنع العواقب و الخواتيم، و
(...اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرهِ و لَٰكنَّ أَكثر النَّاس لا يَعلمُون ).