14 مايو، 2026

الدّرس الإيراني


 

   تُعتبر الحرب على إيران،أو حرب الاثني عشر يومًا، النّاشئة من العدوان الصّهيوني،يوم 13 جوان 2025، و حرب الأربعين يومًا،في 28 فبراير 2026، المتواصلة إلى اليوم، بقيادة التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ- تُعتبر هاتان الحربان كلتاهما، حدثًا كبيرًا و خطيرًا،في منطقة الشرق الأوسط، قد يؤسّس لما بعده من حروب و يهيّئ لها، بسبب ما كشفته من حقائق، و ما أفرزته من دلالات، و ما غيّرته من موازين القوى، في هذه المنطقة القَلقة.

إنّ إيران بلد كبير له رؤيا هو شديدُ الوفاء لها، و له استراتيجيّة هو يتّبعها و ينفّذها.و لقد استطاعت إيران،منذ ثورتها على نظام الشّاه سنة 1979، أن تكون قوّة إقليميّة تَجمّع في يدَيها، الحلُّ للكثير من القضايا و المعضلات.و الحقّ أنّ هناك ظواهر ثابتة في سياسات إيران،منذ انتصار ثورتها، ضمنت لها مستويات من القوّة و الهيبة و الاحترام،من جهة، و جعلتها محطّ الأنظار، و موضوعًا للضّغوطات الخارجيّة من جهة أخرى.و يمكن تفصيل هذا الأمر، و إبانة ملامحه في الفقرات التّالية. 

1- استقلاليّة القرار السّياسي

استقلاليّة القرار السياسي،في أيّ دولة، هو قدرتها على اتّخاذ القرارات، دون تدخّل أجنبيّ أو إملاءات خارجيّة، سواء كانت من لَدُن دول أجنبيّة، أو منظّمات دوليّة أو غيرها.و هذا الاستقلال يشمل جميع جوانب السّياسة: الدّاخلية و الخارجيّة و الاقتصاديّة...و حين تكون الدّولة متمتّعة باستقلاليّة قرارها السّياسي فإنّها تكون،حينئذ، قادرة على رسم أولويّاتها، و تحديد مصالحها الوطنيّة الاستراتيجية، و وضع معالم أمنها القومي، و إثبات مكانتها في العالم و في الإقليم، و فرض هيبتها على السّاحة الدّولية...و بناءً على هذا المفهوم، فإنّ استقلاليّة القرار السّياسي، هو مظهر من مظاهر السّيادة، لأنه تحرّر من الهيمنة الخارجيّة، و تحرّر من أوهاق التّأثير الأجنبيّ.       و قد أثبتت إيران،منذ ثورتها سنة 1979، قدرتها على صناعة قرارها السّياسي، بعيدًا عن كلّ تأثير أجنبيّ.و إنّ الذين كانوا يتابعون المفاوضات القائمة حول ملف إيران النووي،منذ بدايتها، مع ( خطّة العمل الشّاملة المشتركة ( Joint Comprehensive Plan of Action  في 2013، ثمّ موافقتها،في 2 أبريل 2015، على تنفيذ القيود المفروضة على برنامجها النّووي، و المواقف اﻹيرانية المختلفة في مراحل هذه المفاوضات، و ما تمخّض عن هذه المفاوضات من نتائج...الذين كانوا يتابعون هذه المفاوضات القائمة حول الملفّ النّووي الإيراني، يدركون أنّ إيران استطاعت أن تحافظ على استقلاليّة قرارها السّياسي، و أن تتكيّف مع الضّغوطات و الإغراءات التي كانت تتعرّض لها، و استطاعت،أيضًا، أن تجد لنفسها هامشًا للمناورة، في خضمّ اﻷوضاع العالميّة القاهرة التي كانت تدفعها،دومًا، إلى التّنازل و الاستسلام.

 2- الندية في الخطاب السّياسيّ

الخطاب السياسي الرّسمي،في أيّ دولة، يدلّ على طبيعة هذه الدّولة، و يَكشف عن ضعفها أو قوّتها، و يعبّر عن ماهيّتها، و يشير إلى موقفها من الأحداث و المستجدّات.و هو يدلّ،في الوقت نفسه، على مَدى تمتّع الدّولة،أيِّ دولة، بسيادتها الكاملة، و استقلال قرارها السّياسيّ.و قد تصاعدت مستويات هذه النّدية،في الخطاب السّياسيّ الرّسميّ الإيراني، أثناء الحرب الأمريكيّة الصّهيونية الأخيرة، و في خضمّ دعوات دونالد ترامب للإيرانيّين،في حرب الاثني عشر يومًا، بإخلاء طهران، أو بالخضوع و الاستسلام! و هذه النّدية التي حقّقتها إيران،في خطابها السّياسي الرّسمي، و في المواجهة العسكريّة مع التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ، و ما تحمّلته في الحالَين من تضحيات و آلام، و ما حقّقته من إيلام و رَدع ، هي التي تؤهّلها للذّهاب إلى المفاوضات، و هي متمتّعة بالقوّة و المناعة و الاقتدار.و هذا هو الفرق الكبير بين المسؤول الإيرانيّ، المتحرّر من أثقال التّبعية و عقدة العبيد، و الذي يُحسن إدارة الصّراع، في السّلم و الحرب، و الحاكم العربيّ المتهافت الذي يَقبع،أو يجلس مرتعدًا، أمام دونالد ترامب الدّجال حتى ليكاد يتبوّل.

 3- حيازة القوّة و الاستبسال في الدّفاع عن الخيارات الاستراتيجيّة الوطنيّة

لقد وُضعت أسس البرنامج النّووي الإيراني عام 1957،خلال الحرب الباردة، بعد الانقلاب على حكومة محمد مصدق،برعاية وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة عام 1953.و تمّ إطلاق هذا البرنامج النووي_الإيراني، في عهد عائلة بهلوي التي كانت تحكم إيران، في إطار برنامج ( الذّرة من أجل السّلام )  Atoms for Peace الذي صمّمته الولايات المتحدة،آنذاك، لتعزيز استخدام التّكنولوجيا النّووية للأغراض السّلمية.و بعد الثّورة الإيرانيّة عام 1979، جُمّد هذا البرنامج،و لكن تمَّ استئنافه، في أعقاب الحرب الإيرانيّة العراقيّة.

و لقد تعلّم الإيرانيون من تجاربهم السّابقة، و من فهمهم لطبيعة العلاقات الدّولية، و طبيعة القوى المتحكّمة في هذا العالم، أنّ القوّة،و القوّة وحدها، هي التي تَردع المعتدي و تصدّه، و هي التي تضمن لأيّ دولة الهيبة و الاحترام، في هذا العالم المضطرب الذي لا قيمة فيه للضّعيف إلاّ بمقدار طواعيّته و استسلامه.و من هذا الفهم لطبيعة العلاقات الدّولية نشأ،لدَى الإيرانيّين، هذا السّعي الحثيث لتطوير صناعاتهم العسكريّة، و امتلاك كلّ أنواع القوّة،بما فيها أسلحة الرّدع، التي تحفظ على البلد أَمنه و استقراره،و تَصُدّ المعتدي و تُرهبه، في خضمّ التّهديدات المختلفة، و الأوضاع العالميّة المضطربة.

و قد كشفت حرب الاثني عشر يومًا، و حرب الأربعين يومًا كلتاهما، بعضًا من قدرات الصّناعات العسكريّة الإيرانيّة، و مفاجآت منظومة الصّواريخ النّوعية، و المسيّرات الاستراتيجيّة التي استطاعت إيران صناعتها، في ظلّ الحصار الطّويل الذي تعرّضت له، في فترات مختلفة بين 1987 و 2006.

و قد استطاعت إيران بتوجيهها للضّربات الصّاروخيّة النّوعيّة، ذات القدرة التّدميريّة الكبرى، أن تشلّ حركة الحياة اليوميّة،داخل الكيان الصّهيوني، و تُلحق ضررًا كبيرًا بأركانه، و أن تستهدف المنشآت الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، و تُحدث إيلامًا كبيرًا و رعبًا، في داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، و أن تؤسّس،في الوقت نفسه، لموسم الهجرة العكسيّة، و بداية نهاية حلم أرض الميعاد.و تعتبر هذه الهجمات الايرانيّة على اسرائيل، هي المشهد الثاني، بعد 7 أكتوبر 2023، الذي يؤكّد هشاشة الكيان الإسرائيلي و ترنّحه، حين يُضرب في عمقه، و في مراكزه الاستراتيجيّة.

 بين العرب و إيران

و إذا ما قُمنا بمقارنة بسيطة، بين إيران و مجموع الدّول العربيّة، يتبيّن لنا بوضوح مجموع ما حقّقته إيران في سبعة و أربعين عامًا،رغم فترات الحصار المختلفة، و حجمَ ما تتفوّق به على الدّول العربيّة مجتمعةً قي ميادين كثيرة.و من مظاهر هذا التّفوق هو تأكيد الإيرانيِّين،في خطابهم السّياسي، و في مواقفهم الرّسمية و علاقاتهم الدّولية، على سيادتهم الكاملة في شؤونهم الدّاخليّة و تأكيدهم،أيضًا، على استقلال قرارهم السّياسيّ و استبسالهم،بالقول و الفعل، في الدّفاع عن الخيارات الاستراتيجيّة الوطنيّة.و في الوقت الذي تكتب فيه إيران، صفحات مشرقة من تاريخها المعاصر، و هي تتصدّى لعدوان التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ، المتعدّد المظاهر، و المدعوم غربيًّا، لاحتوائها أو تركيعها، لا يزال الحكّام العرب،يعيشون خارج التّاريخ، سجناء نظرتهم القُطريّة التي لا تتجاوز اليوميّات، يبدّدون مقدَّرات دولهم و شعوبهم،في خلافاتهم البَينيّة و اهتماماتهم الصّغيرة، و يأتون من المواقف و الأقوال، ما يُخلّف الرّزية و البَلوى، و يصنعون من المُضحكات ما هو شبيهٌ بالبُكى.

13 أبريل، 2026

حصار إيران: عولمة الصّراع



بعد فشل الولايات المتّحدة في فرض شروطها على إيران، في مفاوضات إسلامباد التي لم تكن مفاوضات، بل إملاءات، حَسب ما يُستشفّ من أقوال الوفد الايراني المفاوض، تلجأ الولايات المتّحدة إلى فرض حصار بحريّ،على الموانئ الإيرانيّة.و هي تبغي من وراء هذا الحصار تحقيق أمرين اثنين.الأمر الأول هو خنق إيران اقتصاديًّا، و حرمانها من مداخيل النّفط التي بلغت،حسب بعض التّقديرات،115 مليون دولار يوميًّا.و إذا كان المال هو عَصَب الحياة،في الحرب و السّلم، فإنّ أمريكا تستهدف،بهذا الحصار، التّأثير على قدرات إيران في المقاومة و الصّمود، و دفعها إلى الاستسلام، أو التّخفيف من حدّتها في المواجهة و الاستبسال، و القبول ببعض التّنازلات، لتحقيق تسوية مُرضيّة،بالنّسبة لها، تُوقف الحرب و الصّراع.

أمّا الأمر الثّاني المبتغَى من وراء هذا الحصار،فخلاصته حسب الإداة الأمريكيّة، أن هذا الحصار قد يُنشئ حالة من الانهيار الاقتصاديّ،داخل إيران، يكون سببًا في الرّكود أو الكساد، الذي يفجّر،بالتّبعية و المآل، فوضى اجتماعيّة، و اضطرابات و قلاقل، قد تُضعف سيطرة النّظام، و تشتّت قدراته، و  تَحرمه من هامش الحركة و المناورة.

 و لكنّ الذي سيحدث، أنّ هذا الصّراع الذي كان بين إيران من جهة،و الولايات المتّحدة و إسرائيل من جهة أخرى، سيصبح صراعًا عالميًّا، بين أمريكا و بقيّة العالم، لأنّ دولاً كثيرة ستتضرّر مصالحها بسبب هذا الحصار، و في مقدّمتها الصين، و هي من أكبر مستوردي النّفط الإيرانيّ، أو تركيا، و دول أخرى،في آسيا.و قد يؤدّي هذا الحصار،أيضًا، إلى تجدّد الحرب، و تهديد سلاسل الإمداد، و تداعياته المختلفة على الأسواق العالميّة .

و السّؤال هو: كيف سيكون موقف الصّين من هذا الحصار الأمريكي الذي قد يمنعها،اليوم، من وارداتها النّفطيّة من إيران، بعدما مُنعت من هذه الواردات،من قبل،في فنزويلا ؟


22 مارس، 2026

التّهديد و التّهديد المضادّ..

 



ارتفاع و تيرة القصف الإيراني،بعد استهداف التحالف الأمريكي الصهيوني لمفاعل نطنز، و الصواريخ النوعية الإيرانية، و ما أحدثته في ديمونة و عراد،من رعب و دمار، و تهديد ترامب بقصف منشآت الطاقة في إيران، إذا لم تفتح مضيق هرمز، أمام حركة الملاحة الدولية، و تهديد إيران بالرّد القوي، و خطاب الانتقام، و سياسة العين بالعين، و ما قد ينشأ عن هذه التّهديدات حين تنفيذها، من انهيار كبير في الدّول و في تغيير الخرائط، و في السياسات و الاقتصاد...

كلّ هذا التصعيد الذي لا يفتأ يتصاعد و يزداد، قد يكون بداية انزلاق كبير، لحرب إقليميّة كبرى، تفتح الباب لصراعات أخرى كبرى، تشارك فيها الدّول النّووية، أو قد يكون،في المقابل، بداية التّخفيض و التّهدئة، و نزع فتيل الحرب الكبرى المحتملة، و إطفاء النّيران التي قد تلتهم الجميع.


21 مارس، 2026

للصّائم فرحتان...


يحظَى الصّيام،بين سائر العبادات، بالمكانة الخاصّة و الدّرجة العُليا.و سبب هذه الحظوة، أنّ الله ربط الصّيام بذاته العَليّة: (...الصّيام لي و أنا أَجزي به ).

و قد قيل في سبب نسبة الصّيام إلى الله، و إضافته إليه، معانٍ كثيرة من بينها: أنَّ الصيام هو امتناعٌ عن شهوات النّفس، و تجاوز لنداءاتها القاهرة، و استعلاء على صَيحات الجسد القويّة، في أيّام معدودات، وَفق نظام معيَّن و توقيت معلوم.و حين يمتنع الإنسان المؤمن عن شهواته، و يقاوم نداءها،طاعةً لله، و هو قادرٌ على تلبية هذا النّداء، فإنّ ذلك يكون عنوانًا على صحّة إيمانه، وإخلاص عبادته.و من ثَمَّ فإنّ الله تعالى يتقبّل عمله، و يَنسبه لذاته العَليّة، من بين سائر أعماله.و هذا الأمر لا يوجد في عبادة أخرى غير الصّيام.

 و لمّا كان الصّيام بهذه المكانة العظيمة، و هذا القَدْر الجليل، فقد جعل الله لصائمه،كما ورد في الصّحيحَين، و في غيرهما، فرحتَين اثنتين: ( فرحةٌ حين يُفطر و فرحةٌ حين يَلقَى ربَّه...).

هما،إذن، فرحتَان اثنتان: إحداهما معجَّلة، و الأخرى مؤجَّلة. فأمّا الفرحة المعجَّلة، فهي فرحته بإفطاره، و أمّا الفرحة الأخرى المؤجَّلة، فهي فرحته بصومه حين يلقَى الله.

فأمّا الفرحة الأولى المعجَّلة، فقد أشار إليها ابن رجب الحنبلي، في كتابه ( لطائف المعارف في ما لمواسم العام من وظائف ) حين قال: « أمّا فرحة الصّائم عند فطره، فإنّ النّفوس مَجْبولة على المَيل إلى ما يلائمها، من مَطعم ومَشرب ومَنكح.فإذا مُنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثمّ أُبيح لها في وقت آخر، فَرحت بإباحة ما مُنعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه.فإنّ النّفوس تفرح بذلك طبعًا...».

 فرحة الصّائم،إذن، سببُها ما يحصل عليه بالإباحة، من أمور هي حبيبة إلى النّفس، كالطّعام و الشّراب و المَنكح.و هي من الوظائف الحيويّة التي يتوقّف عليها وجود الإنسان، و نموّه و استمرار حياته.و هذه الفرحة ،أيضًا، إنّما يُنشئها،أو يُضاعفها، زوالُ المَنع فيُدرك الصّائم ما مُنع منه فإنّه،حينئذ، يفرح بإدراكه لهذا الممنوع، لأنّ المنع كان في أمر حبيب إلى النّفس، كالطّعام و الشّراب، و أحبّ شيء إلى الإنسان ما مُنِعَه.

و يمكنني أن أضيف،في تواضع و وَجَل، سببًا آخر لهذه الفرحة المعجَّلة، خلاصتُه أنّ الإنسان المؤمن قد يحقّق في عبادة الصّيام أمرَين جَليلَين، و جانبَين عظيمَين، و هما: الجانب العِباديّ الذي خُلق له، و هو مناط تكليفه و ابتلائه، و يحقّق،في الوقت نفسه، الجانب الإنسانيّ حين تسيطر رُوحه على جسده، و تتصاعد إرادتُه، فيمتنع،حرًّا مُريدًا لا تابعًا مُكرَهًا، عن طعامه و شرابه، و سائر شهواته و لذّاته التي ألِفَها أزمانًا، و اسْتنام لها مُددًا و أوقاتًا،و يخرج،طاعةً لربّه و انقيادًا له، من سجن عاداته اليوميّة القاهرة، و ضغط مطالبه المَألوفة.و كلّ أولئك هو تجسيد للإرادة الفعّالة، و ارتفاع عن دَرَكات الحيوانيّة، و تحقيق ظاهر لدرجات الإنسانيّة الفائقة.

 الفرحة المعجَّلة يوم الفطر،إذنْ، سَببُها نجاحُ الصّائم في تحقيق عبوديّته،في أيّام معدودات، وَفق نظام معيَّن، و توقيت معلوم.و نجاحُه،أيضًا، في تحقيق إنسانيّته، في عبادة الصّيام بالانتصار على النّفس، و التّحكم في مطالبها المتعاقبة، و تكبيل نزواتها الآنيّة.و هذان الأمران كلاهما مقصودان مجموعًا و استقلالاً، في امتحان رمضان و في غيره.

 أمّا فرحة الصّائم الأخرى المؤجَّلة، فهي فرحُه بصومه حين يلقَى الله، و ما أعدّه الله له من الثّواب و المزيّة و السَّبق.و لكنّ هذه الفرحة المؤجَّلة ما هي أوصافها ؟ و كيف تكون ؟ و هل هي فرحة كفرحة الدّنيا، أم هي فرحة أخرى، لها طَعْمها و وَقعُها و سرُّها...؟ و كيف يعيشها الصّائم ؟ و كيف يكون شعوره، حين يتحقّق هذا اللّقاء المَهيب، في عالم الأرواح و الملكوت...؟

إنّنا لا نعلم شيئًا عن هذه الفرحة، و لا نحيط بوصف واحد من أوصافها، لأنّها فرحةٌ نَسيجُ وَحْدِها، و هي ممّا أُخفِي من المسرّات للصّائمين.و لكنّ مجرّد التّفكير في هذا الأمر، و إطلاق الخيال لمتابعته، و محاولة تصوّره، ينقلنا إلى هذه العوالم العُلويّة القُدسيّة الأبديّة التي تَزهو فيها النّفوس فتَنتَشي، و ترقص الأرواح فتفرح و تتباهَى، و حقَّ لها أن ترقص، و أن تفرح و تزداد.

  

لماذا اغتيال القادة السّياسيّين و العسكريّين، في إيران...؟

 


مسلسل اغتيال القادة السّياسيّين و العسكريّين الإيرانيّين، هل هو مقدّمة لنتيجة،أو نتائج، مرتقبة ؟

قد يكون كذلك.و هذه الاغتيالات ،حين تتصاعدت وتتّسع دائرتُها، قد تستهدف أمرين اثنين:

1-  إزاحة الشّخصيات القوّية، صعبة المِراس، ذات المناصب الحسّاسة،و تغييب الشّخصيات العَصيّة، ذات الجاذبيّة، و ذات الهيبة و التأثير الواسع.و كأنّ التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، يعتقد أنه ،بعد استهداف هذه الشّخصيات النّوعية، و استهداف قادة الصّف الأوّل، يمكن لأولئك الذين يَلُونهم، من قادة الصّف الثّاني قليلي التّجربة و الخبرة، أن يُعلنوا استسلامهم، و يُذعنوا لشروط التّحالف المعتدي.

و قد ثبت بطلان هذا الاعتقاد،في غزة ،و في جنوب لبنان، بعد الاغتيالات النّوعية التي استهدفت قيادات الصّف الأوّل.و المظنون أنّ التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، يتعامل مع الإيرانيّين و قادتهم، كما كان الكاوبوي الأمريكيّ Cowboy ، المستعمر الذي قاد حملات الغزو و التّطهير العرقيّ، في الغرب الأمريكيّ، يتعامل مع الهنود الحُمر،سكّان أمريكا الأصليّين: يكفي أن يقتل القادة و الزّعماء، و يَغتال المحاربين الأشاوس حتّى تأتيه القبيلة كلّها خاضعة خانعة، تستجدي عطفه، و تتوسّل رحمته.

2-  اغتيال القادة السّياسيّين و العسكرّيين الإيرانيّين قد يكون مقدّمة،و ترتيبًا أيضًا، لإنزال برّي في منطقة محدّدة، حيويّة أو استراتيجية،في إيران، مثل جزيرة خرج، أكبر محطة لتصدير النّفط في العالم، للاستيلاء عليها و خنق النّظام الإيرانيّ، و قطع رئته الاقتصاديّة التي تضمن له الحياة، و المناورة و الصّمود.و على ضوء هذا التّرتيب قد يُفهم سبب عدم استهداف التّحالف الأمريكيّ الصّهيوني، المنشآت البتروليّة، في جزيرة خرج الإيرانيّة.

و تبعد جزيرة خرج، حوالي 30 كيلومتر عن السّاحل الإيرانيّ.و تقع حوالي 480 كيلومتر شمال مضيق هرمز.و تخضع الجزيرة لإدارة محافظة بوشهر المجاورة.


الدّرس الإيراني

     تُعتبر الحرب على إيران،أو حرب الاثني عشر يومًا ، النّاشئة من العدوان الصّهيوني،يوم 13 جوان 2025، و حرب الأربعين يومًا ،في 28 فبراير 202...