تُعتبر الحرب على إيران،أو حرب الاثني
عشر يومًا، النّاشئة من العدوان الصّهيوني،يوم 13 جوان 2025، و حرب
الأربعين يومًا،في 28 فبراير 2026،
المتواصلة إلى اليوم، بقيادة التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ- تُعتبر هاتان الحربان كلتاهما، حدثًا كبيرًا و
خطيرًا،في منطقة الشرق الأوسط، قد يؤسّس لما بعده من حروب و يهيّئ لها، بسبب ما
كشفته من حقائق، و ما أفرزته من دلالات، و ما غيّرته من موازين القوى، في هذه المنطقة
القَلقة.
إنّ إيران بلد كبير له رؤيا هو شديدُ
الوفاء لها، و له استراتيجيّة هو يتّبعها و
ينفّذها.و لقد استطاعت إيران،منذ
ثورتها على نظام الشّاه سنة 1979، أن تكون قوّة إقليميّة تَجمّع في يدَيها، الحلُّ
للكثير من القضايا و المعضلات.و الحقّ أنّ هناك ظواهر ثابتة في سياسات إيران،منذ
انتصار ثورتها، ضمنت لها مستويات من القوّة و الهيبة و الاحترام،من جهة، و جعلتها
محطّ الأنظار، و موضوعًا للضّغوطات الخارجيّة من جهة أخرى.و يمكن تفصيل هذا
الأمر، و إبانة ملامحه في الفقرات التّالية.
1- استقلاليّة القرار السّياسي
استقلاليّة القرار
السياسي،في أيّ دولة، هو قدرتها على
اتّخاذ القرارات، دون تدخّل أجنبيّ أو
إملاءات خارجيّة، سواء كانت من لَدُن دول أجنبيّة، أو منظّمات دوليّة أو غيرها.و هذا الاستقلال يشمل جميع جوانب السّياسة:
الدّاخلية و الخارجيّة و
الاقتصاديّة...و حين تكون الدّولة متمتّعة باستقلاليّة قرارها السّياسي فإنّها
تكون،حينئذ، قادرة على رسم أولويّاتها، و تحديد مصالحها الوطنيّة الاستراتيجية، و وضع
معالم أمنها القومي، و إثبات مكانتها
في العالم و في الإقليم، و
فرض هيبتها على السّاحة الدّولية...و بناءً على هذا المفهوم، فإنّ استقلاليّة القرار السّياسي، هو مظهر من مظاهر السّيادة، لأنه تحرّر من الهيمنة الخارجيّة، و تحرّر من أوهاق التّأثير الأجنبيّ. و قد أثبتت إيران،منذ ثورتها سنة 1979،
قدرتها على صناعة قرارها السّياسي،
بعيدًا عن كلّ تأثير أجنبيّ.و
إنّ الذين كانوا يتابعون المفاوضات القائمة حول ملف إيران النووي،منذ بدايتها، مع
( خطّة العمل الشّاملة المشتركة ( Joint Comprehensive Plan of Action في 2013، ثمّ موافقتها،في
2 أبريل 2015، على تنفيذ القيود المفروضة على برنامجها
النّووي، و المواقف
اﻹيرانية المختلفة في مراحل هذه المفاوضات، و ما تمخّض عن هذه
المفاوضات من نتائج...الذين كانوا يتابعون هذه المفاوضات
القائمة حول الملفّ النّووي الإيراني، يدركون أنّ إيران استطاعت أن
تحافظ على استقلاليّة قرارها السّياسي، و أن تتكيّف مع الضّغوطات و الإغراءات التي كانت تتعرّض
لها، و
استطاعت،أيضًا، أن تجد لنفسها هامشًا للمناورة، في خضمّ اﻷوضاع العالميّة
القاهرة التي كانت تدفعها،دومًا، إلى التّنازل و الاستسلام.
الخطاب
السياسي الرّسمي،في أيّ دولة، يدلّ على طبيعة هذه الدّولة، و
يَكشف عن ضعفها أو قوّتها، و يعبّر عن ماهيّتها، و يشير إلى موقفها من الأحداث و
المستجدّات.و هو يدلّ،في الوقت نفسه، على مَدى تمتّع الدّولة،أيِّ دولة، بسيادتها
الكاملة، و استقلال قرارها السّياسيّ.و قد
تصاعدت مستويات هذه النّدية،في الخطاب
السّياسيّ الرّسميّ الإيراني، أثناء الحرب الأمريكيّة الصّهيونية الأخيرة، و في خضمّ
دعوات دونالد ترامب للإيرانيّين،في حرب الاثني عشر يومًا، بإخلاء طهران، أو بالخضوع و الاستسلام! و هذه النّدية التي حقّقتها إيران،في خطابها
السّياسي
الرّسمي، و في المواجهة العسكريّة مع التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ، و ما تحمّلته في الحالَين من تضحيات و آلام، و ما
حقّقته من إيلام
و رَدع ، هي التي تؤهّلها للذّهاب إلى المفاوضات، و هي
متمتّعة بالقوّة و المناعة و الاقتدار.و هذا هو الفرق الكبير بين المسؤول الإيرانيّ،
المتحرّر من أثقال التّبعية و عقدة العبيد، و الذي يُحسن إدارة الصّراع، في السّلم
و الحرب، و الحاكم العربيّ المتهافت الذي يَقبع،أو يجلس مرتعدًا، أمام دونالد
ترامب الدّجال حتى ليكاد يتبوّل.
لقد وُضعت أسس البرنامج النّووي الإيراني عام 1957،خلال الحرب الباردة، بعد
الانقلاب على حكومة محمد مصدق،برعاية وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة عام
1953.و تمّ إطلاق هذا البرنامج النووي_الإيراني، في عهد عائلة بهلوي التي كانت
تحكم إيران، في إطار برنامج ( الذّرة من أجل السّلام ) Atoms for Peace الذي صمّمته الولايات المتحدة،آنذاك، لتعزيز استخدام
التّكنولوجيا النّووية للأغراض السّلمية.و بعد الثّورة الإيرانيّة عام 1979، جُمّد
هذا البرنامج،و لكن تمَّ استئنافه، في أعقاب الحرب الإيرانيّة العراقيّة.
و لقد تعلّم الإيرانيون من تجاربهم السّابقة، و من فهمهم لطبيعة العلاقات الدّولية،
و طبيعة القوى المتحكّمة في هذا العالم، أنّ القوّة،و القوّة وحدها، هي التي تَردع
المعتدي و تصدّه، و هي التي تضمن لأيّ دولة الهيبة و الاحترام، في هذا العالم
المضطرب الذي لا قيمة فيه للضّعيف إلاّ بمقدار طواعيّته و استسلامه.و من هذا الفهم
لطبيعة العلاقات الدّولية نشأ،لدَى الإيرانيّين، هذا السّعي
الحثيث لتطوير صناعاتهم العسكريّة، و امتلاك
كلّ أنواع القوّة،بما فيها أسلحة الرّدع، التي تحفظ على البلد أَمنه و استقراره،و تَصُدّ المعتدي و تُرهبه، في خضمّ
التّهديدات المختلفة، و الأوضاع
العالميّة المضطربة.
و قد كشفت
حرب الاثني عشر
يومًا، و حرب الأربعين
يومًا كلتاهما، بعضًا من قدرات
الصّناعات العسكريّة الإيرانيّة، و مفاجآت منظومة الصّواريخ النّوعية، و المسيّرات
الاستراتيجيّة التي استطاعت إيران صناعتها، في ظلّ الحصار الطّويل الذي تعرّضت له،
في فترات مختلفة بين 1987 و 2006.
و قد استطاعت
إيران بتوجيهها للضّربات الصّاروخيّة النّوعيّة، ذات القدرة التّدميريّة الكبرى،
أن تشلّ حركة الحياة اليوميّة،داخل الكيان الصّهيوني، و تُلحق ضررًا كبيرًا
بأركانه، و أن تستهدف المنشآت الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، و تُحدث إيلامًا كبيرًا
و رعبًا، في داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، و أن تؤسّس،في الوقت نفسه، لموسم
الهجرة العكسيّة، و بداية نهاية حلم أرض الميعاد.و تعتبر هذه الهجمات
الايرانيّة على اسرائيل، هي المشهد الثاني، بعد 7 أكتوبر 2023، الذي يؤكّد هشاشة
الكيان الإسرائيلي و ترنّحه، حين يُضرب في عمقه، و في مراكزه الاستراتيجيّة.
و إذا ما قُمنا بمقارنة بسيطة،
بين إيران و مجموع الدّول العربيّة، يتبيّن لنا بوضوح
مجموع ما حقّقته إيران في سبعة و أربعين عامًا،رغم فترات الحصار المختلفة، و حجمَ ما تتفوّق به على الدّول العربيّة مجتمعةً قي ميادين
كثيرة.و من مظاهر هذا التّفوق هو تأكيد الإيرانيِّين،في
خطابهم السّياسي، و في مواقفهم الرّسمية
و علاقاتهم الدّولية، على سيادتهم الكاملة في شؤونهم الدّاخليّة و تأكيدهم،أيضًا، على استقلال قرارهم
السّياسيّ و استبسالهم،بالقول و الفعل، في الدّفاع عن الخيارات
الاستراتيجيّة الوطنيّة.و في الوقت الذي تكتب فيه إيران، صفحات
مشرقة من تاريخها المعاصر، و هي تتصدّى لعدوان التّحالف الصّهيوني الأمريكيّ، المتعدّد المظاهر، و المدعوم غربيًّا، لاحتوائها أو تركيعها، لا يزال
الحكّام العرب،يعيشون خارج التّاريخ، سجناء نظرتهم القُطريّة التي لا تتجاوز
اليوميّات، يبدّدون مقدَّرات دولهم و شعوبهم،في خلافاتهم البَينيّة و اهتماماتهم
الصّغيرة، و يأتون من المواقف و الأقوال، ما يُخلّف
الرّزية و البَلوى، و يصنعون من
المُضحكات ما هو شبيهٌ بالبُكى.
.jpg)