31 ديسمبر، 2025

فقدان القائد خسارة و لكن...


 

إنّ فُقدان القائد هو خسارة.و هذه الخسارة التي يستشعرها النّاس من فقدان القائد، ليست لشخصه أو اسمه، و إنّما لِما يمثّله من قِيَم كان يجسّدها في أقواله، و يتبنّاها في أفعاله و مواقفه، تجعل العقيدة التي يؤمن بها، أو الفكرة التي يعتنقها تَرتدّ حيّةً قويّة بين الأحياء، ماثلة أمام العيون،تأكل الطّعام، و تمشي في الأسواق.

و فقدان القائد هو خسارة،أيضًا، لِما كان يتمتّع به من هَيبة و حضور، و جاذبيّة و تأثير، و تميّز و سَبْق، و مواهبَ و مَلَكات، و قدرة نوعيّة و حُسن تدبير...تجعل أفئدة من النّاس تَهوي إليه، متمثِّلةً به، و مؤمنةً بنَهجه و مِنهاجه، أو متعاطفة معه، مُكْبِرةً ما يُمثّله و ما يجسّده...

إنّ فُقدان القائد هو خسارة و لكنّ حركات المقاومة عمومًا،في أيّ مكان، لا تتأثّر كثيرًا بفقدان قادتها، و تَغْييب رجالاتها لسبب ظاهر قويّ، و هو أنّ ولاءها قادةً و جنودًا، في كلّ الظّروف    و الأحوال، هو للعقيدة التي توحّد قلوبهم،و تضاعف مقاومتهم، و تنظّم صفوفهم، في حركتهم و سكونهم.و وفاؤهم و إخلاصهم، هو للقيم و الأفكار التي يُعرفون بها، و يقاتلون من أجلها.

و إذا استحضرنا قائمة القيادات،في حركة #حماس، الذين قَضَوا في الميدان، أو الذين اغتالتهم إسرائيل منذ الانتفاضة الأولى ( 1987-1993 )، و مرورًا بالانتفاضة الثانية ( 2000-2005 )، و وصولاً إلى عمليّة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023...إذا استحضرنا كلّ هذه المشاهد  و الفصول، يَستبين لنا أنّ حماس حركة ولاّدة، و قد نجحت في كلّ الامتحانات منذ تأسيسها سنة 1987: فقد استطاعت احتواء الآثار النّاجمة عن استشهاد قادتها السّياسيّين و العسكريّين، و استطاعت،أيضًا، التّكيف مع الأوضاع و الظّروف الصّعبة التي أحاطت بها،متجاوزةً ادّعاءات العدوّ و همجيّته و إرهابه، و أنّ الضّربات المتعاقبة لم تَزِدها إلاّ صلابة و نضجًا، و أنّ الضّغط و التّضييق المتلاحق، لم يزدها إلاّ توحّدًا و التحامًا، و أَكْسبها قوّة و تصميمًا.

 

(...و اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرهِ و لَٰكنَّ أَكثر النَّاس لا يَعلمُون ). يوسف- الآية 21

أيْ أنّ الله،جلّ و علا، مُتِمٌ قدرَه، يَقهر النّاس على أَمره، و يَقهرهم على ما أراد.و كلّ ما حصل ليوسف من إخوته،و ما عاناه من محنة الاسترقاق، و ما وقع له مع امرأة العزيز، و دخوله السّجن...كلّ ذلك كان من أمر الله و تقديره: فهو الغالب على أمره، و قضاؤه هو الغالب.و بأمره و تقديره، تقع الأحداث، و تتهيّأ الظّروف، و تترتّب الأحوال، ليقع أمر الله الذي لا رادَّ له، و ليقع أمر الله الذي يكون،دائمًا، مفعولاً، و لَكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون.

و قد نزل هذا التّعقيب، في سياق قصّة يوسف عليه السّلام، بعد إلقائه في غَيابات الجُبّ،و في لحظات و ظروف، لا تظهر فيها بوضوح، ما دبَّره الله ليوسف من تمكين في الأرض، و سيادة   و حكم و غَلَب.

و كثيرًا ما يريد النّاس أمرًا، و لكنّ الله تعالى يريد أمرًا آخر، فلا شيءَ يَمنعه عمّا يريد، و لا أَحدَ يُنازعه في ما يُريد.و هو القاهر فوق عباده، يَعلم ما لا يعلمون، متحكِّمٌ في الأقدار كلّها، يهيّئ الظّروف و المواقيت، و يصنع العواقب و الخواتيم، و (...اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرهِ و لَٰكنَّ أَكثر النَّاس لا يَعلمُون ).  

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم

  إذا كان للجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم، كما ذكر ، منذ أكثر من 2400 سنة ، الفيلسوف الصّيني سان تزو   Sun Tzu ، في ك...