03 سبتمبر، 2025

هند رجب...الصّوت العابر للقارّات




يعتبر فيلم ( صَوت هند رجب ) The Voice of Hind Rajab للمخرجة التّونسية كوثر بن هنيّة، حدثًا سينيمائيًّا متميّزًا،لارتباطه بمأساة غزّة، المحاصرة بسلاح النّار و الجوع، طيلة عامين تقريبًا، و لأبعاده الإنسانيّة و السّياسية كذلك.و قد حَظِي فيلم ( صَوت هند رجب ) بدعم كبير من كَوكبة من نجوم و مشاهير،في هوليوود و غيرها، الذين انضمُّوا إلى المشروع كمنتجين تنفيذيّين.و سيكون العرض العالميّ الأوّل لهذا الفيلم،يوم 3 سبتمبر 2025، في المسابقة الرّسمية لمهرجان فينيسيا السّينيمائي،بإيطاليا في دورته 82.و سيتمّ عَرضُه،لاحقًا، في،كندا، في مهرجان تورونتو السّينمائي الدّولي، ضمن قسم العروض الخاصّة، في 7 أيلول 2025.و اختير،أيضًا، لتمثيل تونس في سباق جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دوليّ، و الذي سيُقام في حفل توزيع جوائز الأوسكار، في لوس أنجلوس، في 15 مارس 2026.و قد استطاع هذا الفيلم الذي يتناول قصّة مقتل الطّفلة الفلسطينيّة هند رجب ( 2018–2024 ) ،قبل أَوان عرضه، أن يشغل الرّأي العامّ العالميّ، و تتناوله المنصّات الإعلاميّة و الفنّية، و تكتب عنه الصّحف و المجلاّت، و تتكهّن،أيضًا، بحصوله على جوائز و استحقاقات.

مقتل هند رجب: القصّة و الملابسات

في يوم 29/01/2024 كانت هند رجب، ذات السّت سنوات، في سيّارة مع خالها و زوجته و أولادهما الثلاثة،في منطقة تلّ الهوى،في مدينة غزّة، حين باغتتهم الدّبابات الإسرائيليّة بوابل من الرّصاص، فقُتل الجميع باستثناء هند.ثمّ بقي الاتّصال قائمًا،بالهاتف، بين هند رجب و بعض أفراد الهلال الأحمر الفلسطينيّ الذين كانوا قد تلقَّوا مكالمة، من ليان حمادة   ( 14 عامًا ) ابنة خالها،قبل مقتلها، التي ذكرت أنّ دبّابة إسرائيليّة قد أطلقت الرّصاص على سيّارتهم.و قد تبيَّن لأفراد الهلال الأحمر،بعد اتّصالهم، أنّ هند رجب ما زالت على قيد الحياة في السّيارة،بين جثث أقاربها،و هي مصابة و تبكي و تستغيث، و تحاصرها الدّبابات الإسرائيليّة التي لا يتوقّف قصفها.و قد حاول أفراد الهلال الأحمر التّخفيف من رَوعها     و تهدئتها، و الاستفسار عن حالها، و انّهم آتون لنجدتها.ثمّ انقطع الاتّصال مع هند رجب، و مع أفراد الأحمر الفلسطينيّ الذين هَبُّوا لنجدتها.و في يوم10  فبراير 2024، أيْ بعد اثنَي عشر يومًا،تمّ العثور على سيّارة هند و أقاربها جثثًا هامدة،و على بضعة أمتار سيّارة الهلال الأحمر الفلسطينيّ المقصوفة، و بداخلها جُثَّثَي المُسعفين: يوسف زينو وأحمد المدهون.  

فيلم ( صوت هند رجب )...البدايات و الإنجاز

تذكر مخرجة الفيلم،كوثر بن هنيّة، أنّها حين استمعتْ إلى تسجيل صوتيّ لهند رجب، و هي تتوسّل و تطلب المساعدة،هزّها هَولُ ما سمعت فاتّصلت بالهلال الأحمر، و طلبت السّماح لها بالاستماع إلى التّسجيل كاملًا.و بعد استماعها لهذا التّسجيل،و كانت مدّته حوالي 70 دقيقة قويّة و مؤثّرة، شعرت بشيء ما فأدركتْ،حينئذ، أنه من واجبها تجميد كلّ أعمالها، و إنجاز هذا الفيلم.وتقول كوثر بن هنيّة متحدّثةً عن فيلمها: « جوهر هذا الفيلم بسيط للغاية: طفلة تبكي طلبًا للمساعدة،و لا أحدَ يستجيب.و هذا الألم يُقلقنا جميعًا ».و تضيف قائلة:   « إنّ قصّة الفيلم لا تقتصر على غزّة فحسب،و لكنّها تخاطب الضّمير العالميّ،و هي تُثير حزنًا عالميًّا.و السّينما قادرة على حفظ الذّاكرة،و مقاومة النّسيان.فَلْيُسمَعْ صَوتُ هند رجب».

و سيتمّ العرض العالميّ الأوّل لهذا الفيلم،و مدّته 89 دقيقة، في المسابقة الرّسمية، في مهرجان فينيسيا السّينيمائي بإيطاليا، يوم 3 سبتمبر 2025.و قد تمَّ ترشيحه لنيل جائزة الأسد الذّهبيّ.و يقول ألبيرتو باربيرا Alberto Barbera، و هو المدير الفنّي

لمهرجان فينيسيا، إنّ هذا الاختيار يؤكّد وَعي هذا المهرجان السّينيمائي، و دعمه لغزّة، و يعكس موقفه الإنسانيّ، تجاه الأوضاع في هذه المدينة.و ردًّا على الذين دَعَوا إلى مقاطعة الفيلم قال ألبيرتو باربيرا: « إنّ مهرجان فينيسيا، ما هو إلّا مؤسّسة ثقافيّة إيطاليّة، و فضاء منفتح و منصّة للحوار، و ليس من وظيفته ممارسة أيّ نوع من أنواع الرّقابة.و وظيفة هذا الفيلم هي إبراز الحالة الإنسانيّة المؤلمة للضّحايا،في غزّة، و في مقدّمتهم الأطفال ».

و قد ساهمت في إنتاج هذا الفيلم،شركات إنتاج عالميّة،و شخصيّات فنّية مشهورة، و بعض نجوم السّينما من هوليود، و كندا و المملكة المتّحدة.و هذا الاهتمام العالميّ بهذا الفيلم له دلالته و وَزنه، و سيكون له،بلا شكّ، ما بعده.و لكنّه،في اللّحظة الآنيّة، قد حقّق هدفًا كبيرًا، إذْ جعل ( صَوت هند رجب ) صوتًا مُسْمِعًا، عابرًا للقارّات، نكايةً في جنود الاحتلال الإسرائيليّ الذين أَحْيَوه و أنعَشوه، حين خَنقُوه و قَتلوه.و هذا المعنى نفسه، هو الذي تشير إليه السّيدة وسام حمادة،والدة هند رجب حين تقول: « لا شَيء يُمكنه أنْ يخفّف من جرح فقدان ابنتي، و لكنّي أشعر بالقوّة، لأنّ صوتها ستتردّد أصداؤه في العالم ».

 أسباب الاهتمام العالميّ بالفيلم

إنّ سبب هذا الاهتمام العالميّ بالفيلم، إنّما مردّه إلى موضوعه و محتواه.و يمكن تفصيل هذا الأمر في سببين اثنتين: أحدهما جَليّ و الآخر خَفيّ.فأمّا السّبب الجَليّ فخلاصته أنّ   ( صَوت هند رجب )، يتناول الوَضع المَهُول الذي تحياه الطّفولة،في غزّة، و ما تتعرّض له من خَوف و رعب، و تهجير و تجويع، و تدمير وحشيّ، و قتل همجيّ، يجعل أجسادها الهشّة تتطاير أشلاءً، بفعل القنابل و القصف، أو تتساقط أمواتًا،بفعل التّجويع، كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة.و أمّا السّبب الخَفيّ لهذا الاهتمام العالميّ، فمردّه إلى مفهوم الطّفولة و مكانتها،و حُرمتها في الضّمير الجمعيّ الإنسانيّ، و ما تمثّله في وعي الإنسانيّة الظّاهر من معانٍ عميقة و أفكار،و ما تدلّ عليه في وعيها الباطن من صُوَر جميلة و إيحاءات.فهذه الطّفولة البريئة، إنّما خُلقت لتَحيا و تعيش، و تنمو كما ينمو الزَّهر و الزّرع، لأنّها استثمار الإنسانيّة و مستقبلها، و أنّ أيَّ اعتداء على هذه الطّفولة،كيفما كان نوعه و طبيعته، إنّما هو اعتداءٌ على الإنسانيّة جمعاء.

و إذا كانت رصاصات جيش الاحتلال، و دبّاباته قد مزّقت الأجساد، و دمّرت المبانيَ،     و صنعت الموت و الخَراب، فإنّ ( صَوت هند رجب ) و صَوت أَتْرابها، قد استعصى على الموت و الفناء، و تردّدت أصداؤه في العالم، و أصبح صوتًا عابرًا للقارّات، تلقّاه النّاس بالقبول، و احتضنوه بالتّعاطف و المواساة، لأنه صوتٌ يخاطب فيهم إنسانيّتهم التي لم تُلوِّثها الدّعاية الصّهيونية، و يَهزّ فيهم ضمائرهم الحيّة التي لم يُخرِّبها الخطاب الصّهيوني، المتحلّل من كلّ الأعراف و الالتزامات، و الذي يهدّد وجودنا و إنسانيّتنا.

و كأنّ هذا الفيلم قد جاء في أَوانه، و في وقته الذي سُطِّر له.و كأنّ هذا الفيلم قد صُمّم ليكون صرخة عالميّة، ضدّ الهمجيّة الصّهيونيّة التي تستمتع بمشاهد الموت و الخراب، و تتلذّذ بإراقة دماء الأطفال و النّساء،في غزّة و في عموم فلسطين 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم

  إذا كان للجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم، كما ذكر ، منذ أكثر من 2400 سنة ، الفيلسوف الصّيني سان تزو   Sun Tzu ، في ك...