26 سبتمبر، 2025

نيكولا ساركوزي...الحكم و التّداعيات




تمّ الحكم،أمس الخميس 25 سبتمبر، على نيكولا ساركوزي،الرّئيس الفرنسيّ السّابق، بالسّجن خمس سنوات، بتهمة التآمر الجنائيّ، في قضيّة التّمويل اللّيبي لحملته، في الانتخابات الرئاسيّة، عام 2007.و قد تمّ تأجيل إيداعه السّجن، إلى غاية استدعائه من جديد،يوم 13 أكتوبر القادم، لإطلاعه على تاريخ سجنه.

و قد قامت،فَور الإعلان عن الحكم ،البُؤَر الإعلاميّة المختلفة لليمين الفرنسيّ، و اليمين المتطرف، بإقامة حصص خاصّة، و فتح نقاشات متنوّعة، جَلبت إليها مجموعات من الإعلاميّين و السّياسيين، و المحامين و المثقّفين، و الطّبالين و المُداهنين،و المستفيدين و الانتهازيّين...و كلّ هذه الطّوائف و الأصناف، ذات الارتباطات السّياسيّة الخفيّة، و الإيديولوجيّات الحاقدة، جيء بها لإثارة الشّكوك حول هذا الحكم القضائيّ، و إعلان غضبها المَشبوه، و نشر سخطها المُؤَدلج، و الصّياح بأنّ ساركوزي،الرّئيس الفرنسي السّابق، بريء بريء، و أنّه رجل دولة كبير، و لا يستحقّ أن  يُعامل بهذه الإهانة و الاحتقار !

و من المُضحكات أنّ قناة CNEWS، و هي حُفرة من حُفر اليمين المتطرّف، استضافت رجل أعمال معروف،و هو سجين سابق، ليتحدّث عن السّجن، و آلامه و معاناته، و الإيحاء،بهذا السّرد، أنّ هذا المكان القاسي لا يليق بشخصيّة وطنيّة مثل ساركوزي ! و الهدف من وراء هذه المهزلة، هو الحصول على تعطاف الفرنسيّين، و الفوز بمساندتهم لساركوزي، ضدّ الحكم الجائر الصّادر في حقّه !

 و قد بلغ النّزَق بأحد المحامين،و كان وزيرًا للعدل، في ثلاث حكومات فرنسيّة متعاقبة بين 2020 – 2024 أنْ قال ما معناه: (...إنّ فكرة وجود رئيس جمهوريّة سابق،في السّجن، يمثّل زلزالًا لبلادنا...أعتقد أنّ الجميع،اليوم، قَلقون إزاء هذا القرار الصّادر ).

إنّ مثل هذه المحاكمات القضائيّة،في فرنسا أو في غيرها، تطرح قضيّة إنسانيّة كبرى،هي من صميم الوجود الإنسانيّ، و هي أحد أكبر مآسيه في العصر الحديث.و يمكن تلخيصها في هذه الأسئلة المشحونة: هل يتساوى النّاس جميعًا،على اختلاف مناصبهم و مراكزهم، و مراتبهم الاجتماعيّة، و مستوياتهم التّعليميّة، و ألوانهم و لغاتهم، و انتماءاتهم الدّينية و الثّقافية...هل يتساوى هؤلاء النّاس جميعًا، أمام العدالة و القانون ؟ أليس هناك خصوصيّة، يَحظى بها أصحاب السّلطة و الحُظوة، و ذَوُو المكانة و المال، و عِلية القوم و سُراة النّاس، تجعلهم في حِلّ من المساءلة و المتابعة، و في مَأمن من المحاكمة و العقاب ؟

إنّ مآسي البشر،في العصور الحديثة، سببها هذه العدالة ذات اللّونَين المختلفَين: عدالة تَكيل بمكيالَين،فتجعل أصنافًا من النّاس فوق المحاسبة و القانون، و يُفلتون،دائمًا، من المساءلة و العقاب، بينما تنهال العقوباتُ الشّديدة، و الأحكام الجائرة على الفئات الاجتماعيّة الضّعيفة، و الطّبقات الهَشّة التي لا تحظى بأيّ حماية أو دفاع.

هذه هي أزمة العدالة، في العصور الحديثة.و هذه هي محنة النّاس، النّاشئة من أزمة العدالة.أمّا الإسلام، هذا الدّين المتخلّف، فقد أعلن صَيحته الكبرى،منذ قرون، مُعالجًا عمليًّا،و في شفافيّة و وضوح، مشكلة العدالة و القانون،في كلمات واضحات، لا تحتمل الرّأي و التّأويل: (...إنَّما أَهلك الذين من قَبلكم، أنّهم كانوا إذا سَرق فيهم الشّريف تركوه، و إذا سَرق فيهم الضّعيف، أقاموا عليه الحدّ.و أَيْمُ الله، لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت، لقطعت يدها ).



 









24 سبتمبر، 2025

الدولة الفلسطينية...المُستعجَل و المُلِحّ..

 


بعد مسلسل الاعتراف الغربيّ بالدّولة الفلسطينيّة، لا مناص من وقفة متأنّية، لتسجيل جملة من الملاحظات.

1- ههنا أمران اثنان جديران بالتّذكير.هناك المُستعجَل و هناك المُلِحّ.و المُستعجَل يَطرد المُلِحّ، أو يؤجِّله.و الأمر المُستعجَل،اليوم، هو وَقف الإبادة_الجماعية في غزة و في الضفة_الغربية، و وقف القتل الهمجيّ للأطفال، و النّساء و الشّيوخ، و كَسر الحصار الجائر، و دَحْر سياسة التّجويع المنهجيّ للسّكان، و إدخال الطّعام و الماء و الدّواء،و الحاجيات الأساسيّة إلى المنكوبين في القطاع، و إسعاف المرضى، و العناية بذَوي الحاجات الخاصّة، و ذَوي الأمراض المُزمنة...

المُستعجَل،إذن، إنّما هو إنقاذ البشر في غزّة: إنقاذ الأطفال و النّساء و الشّيوخ، و المرضى و الكبار و الصّغار...المُستعجَل هو إنقاذ هؤلاء البشر الذين يموتون،في غزّة، مَوتَتين اثنتَين: مَوتة بالصّواريخ التي تأتيهم،بغتةً، فتمزّق أجسادهم، و مَوتة أخرى بالتّجويع الوحشيّ الذي يُنْهكهم فَيقتلهم ببطء.  

2- أما الدّولة الفلسطينيّة فهو الأمر المُلِحّ، و هو ضرورة مُلحّة.و الاعتراف بدولة فلسطينية،رغم أهمّيته و رمزيّته، فهو لا يُوقف الإبادة الجماعيّة، و لا يُوقف الهدم و الرّدم، و لا يُوقف القتل الهمجيّ، و التجويع الوحشيّ...ثمّ إنّ الاعتراف بالدّولة الفلسطينيّة، بلا حدود واضحة و مُعلَنة، هو مُبَيَّت و مقصود، و هو مسار قانونيّ، و سياسيّ طويل المدى.

3- بعض الدّول الأروبية التي أعلنت اعترافها بدولة فلسطينيّة، هي جزء من المشكلة  و ليست جزءًا من الحلّ، كفرنسا و المملكة المتّحدة اللّتَين تعتبران مشاركتَين، في الإبادة الجماعيّة الحاصلة،في غزّة، و في عموم فلسطين.و قد أحصت الأمينة العامّة لمنظّمة العفو_الدولية Agnes Callamard ، في لقاء مع الجزيرة،يوم 20 سبتمبر 2025، مجموع الشّركات الأروبية المرتبطة، أو المتواطئة مع جرائم إسرائيل، في غزة، بسبب مساعداتها العسكريّة، و الأمنيّة و التّكنولوجية، و تعاونها الاقتصاديّ، مع الكيان الإسرائيليّ.

فكان على فرنسا و المملكة المتّحدة،أوّلاً، إيقاف إمداداتهما الاقتصاديّة، و العسكريّة و التّكنولوجيّة التي تصنع الموت و الخراب في غزّة.و كان عليهما،قبل هذا الاعتراف، اتّخاذ إجراءات ردعيّة ضدّ الكيان الإسرائيليّ، شبيهة بتلك الإجراءات العمليّة الرّدعية التي اتّخذتها ضدّ روسيا، حين عُدوانها على أوكرانيا.و كأنّ هذه الدّول الأروبية، بهذا الاعتراف، تبحث عن عُذريّة سياسيّة، أو تحاول امتصاص الغضب الشّعبي العامّ،في أراضيها، الناشئ من تواطئها الخفيّ و المُعلن، و مشاركتها في إبادة الفلسطينيّين.

إنّ هذا الاعتراف الغربي، رغم أهمّيته، لن يكون له ما بعده، إذا لم يكن مُعزّزًا بإجراءات عمليّة ردعيّة، ضدّ الكيان الاسرائيلي الذي يمارس الإبادة الجماعيّة،آمنًا مطمئنًّا، و في حِلٍّ من كلّ مساءلة و عقاب.

4- إنّ الذي ينبغي أن يُذكر،في هذا المقام، أنّ اعتراف هذه الدّول الأروبية بدولة فلسطينية،و هي المشاركة في الإبادة الجماعيّة،في غزة، ليس منحة تُقدَّمها للفلسطينيّين، و إنّما هو محاولة لإنقاذ إسرائيل، من همجيّتها التي جعلتها كيانًا منبوذًا،في العالم، و التي توشك أن تَعصف بها.و هذا الاعتراف الغربيّ،أيضًا، يحقّق هدفًا بعيدًا آخر، و هو إغراءٌ لبعض الدّول العربيّة التي أعلنت،قبلُ، أنّ تطبيعها مع الكيان الإسرائيليّ، هو مشروط بقيام دولة فلسطينيّة.

5- إنّ الاعتراف الغربيّ بدولة فلسطينية ليس منحة،و إنّما هو ضرورة، و هو تحصيل حاصل.و هذا الاعتراف قد فرضته مقاومة الفلسطينيّين، قيادات و شعبًا للاحتلال الإسرائيليّ، و أكّدته تضحياتهم الكبرى التي ليس لها مثيل في السّجلّ الفلسطيني الحديث.


15 سبتمبر، 2025

القمة_العربية_الاسلامية_الطارئة


 

استمعتُ إلى أحد صحافيّي الجزيرة، و هو يتحدّث عن إحدى خصوصيّات مؤتمر #الدوحة الطّارئ الذي انتهى كما بدأ، فيذكر أنّ الكلمات كانت قويّة ! و هي تتضمّن شعورًا كبيرًا بالغضب ! و أنّ هذه الكلمات،كما يضيف، استثنائيّة و لم تكن معهودة من قبل !

الوَيل لإسرائيل من غضبة #العرب

يبدو أنّ إسرائيل ترتعد خوفًا، و أنّ لَيلتها لن تَمرّ بسلام...

 

#غزة_تقاوم  #غزة_تموت_جوعا  #فلسطين

#سوق_الكلام


12 سبتمبر، 2025

جلسة مجلس الأمن حول العدوان الصّهيوني على قطر

 



ممثّل الكيان الصّهيوني، في جلسة #مجلس_الأمن، يتحدّث بلغة عصابات المافيا و قطّاع الطّرق، و يستفزّ الحاضرين بتبجّحه الرّخيص، و صَلَفه و غطرسته.كلمة ممثّل الكيان الصّهيوني أكّدت،مرّة أخرى، لكلّ الواهمين أنْ لا تعايش مع الهمجيّين، قتلة الأطفال و النّساء،في #فلسطين المحتلّة، و أنّ #الصهيونية تهديد للأمن و السّلم، في الشّرق الأوسط، و في العالم كلّه.و إذا لم تتّخذ الدّول العربيّة،الأسبوع القادم، في الدّوحة قرارات حاسمة، تكون في مستوى الاعتداء الهمجيّ على #قطر و على وَفد #حماس المفاوض...و إذا لم تكن هذه القمّة العربية الإسلامية الطّارئة، بقراراتها الفعليّة الكبيرة التي تصنع الفرق النّوعي، و ليس بخطاباتها الكلاميّة الذّليلة المُملّة،في مستوى الأحداث الكبرى التي تعصف بالمنطقة العربية، و تستهدف رسم معالم #سايكس_بيكو جديد يؤبِّد الهيمنة،في هذه المنطقة،و يجعلها ساحة كبرى للعربدة الصّهيونية،و اعتداءات #النازيين_الجدد المتواصلة...إذا لم تكن قرارات الحكّام العرب، في هذه القمّة،في مستوى هذه الأحداث الضّخمة و الزّلازل الكبرى، فَلْيُغْلقُوا دَكاكينهم،و لْيُسَلّمُوا مفاتيحهم لنتنياهو، لأنه يكون،حينئذ،أَجدر بالحياة منهم، و أجدر بالبقاء و القيادة و التّصرف.


10 سبتمبر، 2025

الاعتداء الصّهيوني على وفد حماس المفاوض في الدوحة



خانته الكلمات أو خانته الإرادة و العزم ؟

رئيس الوزراء و وزير الخارجيّة القطريّ، في اللّقاء الصّحفي الذي أعقب الاعتداء الصّهيوني على وفد #حماس المفاوض، في #الدوحة: فكأنّه زُجَّ به زَجًّا، في هذا الموقف الصّعب الذي كانت دقائقه معدودة، و محسوبة حسابًا. تعلو مُحيّاه الحَيرة و الاضطراب، يبحث عن اللّفظة و أختها: فلا هي تُسْعفه، و لا هي تُواتيه. يستعمل كلمات لا تدلّ على فظاعة الاعتداء، و لا تعبّر عن وحشيّة ما حدث، من ترويع للمواطنين، و انتهاك سيادة قطر، و سقوط ضحايا...

رئيس الوزراء و وزير الخارجيّة القطريّ،في هذا اللّقاء، لم يكن كسابق عهده. كان متردّدًا أو مشوَّشًا، أو مهزوزًا أو خائفًا...

حين لا تملك قرارك، تفقد سيطرتك و اتِّزانك و يَتمّ،في كلّ الأحوال، إهانتك و احتقارك.

07 سبتمبر، 2025

وزارة الحرب بدلاً من وزارة الدّفاع


بعد فشل المفاوضات مع روسيا التي تصرّ على فرض شروطها، في أوكرانيا.و بعد كشف الصّين عن سلاح  #الثالوث_النووي، في الاستعراض العسكري في بكين،بمناسبة ذكرى الانتصار على الاحتلال الياباني.و بعد ظهور الزّعماء النّوويّين الثلاثة،الصّيني و الرّوسي و كيم الكوري الشّمالي، بمناسبة  #قمة_شنغهاي، في وقفة واحدة، و في صورة واحدة، تناقلها الإعلام العالميّ بالفحص و التّحليل...

بعد هذه المشاهد المقلقة، اتّهم دونالد ترامب الزّعماء الثّلاثة بالتّآمر على الولايات المتّحدة، و اهتدى إلى حلّ سحريّ، ليصنع حدثًا جديدًا يُشبع غروره،و يكون هو فيه محطّ المشاهدة و الاهتمام، و يصرف الأنظار عن حدث بكين و مشاهده الكبرى...الحلّ هو تغيير تسمية وزارة الدّفاع إلى  #وزارة_الحرب و هي التّسمية التي كانت مستعملة، في الولايات المتّحدة بين عامي 1789- 1947.و الواقع أنّ أمريكا،أو غيرها من الدّول، لا تحتاج لتغيير أسماء وزاراتها، لإعلان الحرب، أو الاستعداد لها.و لكنه الدّجل، و يبدو أنّ#دونالد_الدجال  لا نهاية لدَجَله.


03 سبتمبر، 2025

هند رجب...الصّوت العابر للقارّات




يعتبر فيلم ( صَوت هند رجب ) The Voice of Hind Rajab للمخرجة التّونسية كوثر بن هنيّة، حدثًا سينيمائيًّا متميّزًا،لارتباطه بمأساة غزّة، المحاصرة بسلاح النّار و الجوع، طيلة عامين تقريبًا، و لأبعاده الإنسانيّة و السّياسية كذلك.و قد حَظِي فيلم ( صَوت هند رجب ) بدعم كبير من كَوكبة من نجوم و مشاهير،في هوليوود و غيرها، الذين انضمُّوا إلى المشروع كمنتجين تنفيذيّين.و سيكون العرض العالميّ الأوّل لهذا الفيلم،يوم 3 سبتمبر 2025، في المسابقة الرّسمية لمهرجان فينيسيا السّينيمائي،بإيطاليا في دورته 82.و سيتمّ عَرضُه،لاحقًا، في،كندا، في مهرجان تورونتو السّينمائي الدّولي، ضمن قسم العروض الخاصّة، في 7 أيلول 2025.و اختير،أيضًا، لتمثيل تونس في سباق جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دوليّ، و الذي سيُقام في حفل توزيع جوائز الأوسكار، في لوس أنجلوس، في 15 مارس 2026.و قد استطاع هذا الفيلم الذي يتناول قصّة مقتل الطّفلة الفلسطينيّة هند رجب ( 2018–2024 ) ،قبل أَوان عرضه، أن يشغل الرّأي العامّ العالميّ، و تتناوله المنصّات الإعلاميّة و الفنّية، و تكتب عنه الصّحف و المجلاّت، و تتكهّن،أيضًا، بحصوله على جوائز و استحقاقات.

مقتل هند رجب: القصّة و الملابسات

في يوم 29/01/2024 كانت هند رجب، ذات السّت سنوات، في سيّارة مع خالها و زوجته و أولادهما الثلاثة،في منطقة تلّ الهوى،في مدينة غزّة، حين باغتتهم الدّبابات الإسرائيليّة بوابل من الرّصاص، فقُتل الجميع باستثناء هند.ثمّ بقي الاتّصال قائمًا،بالهاتف، بين هند رجب و بعض أفراد الهلال الأحمر الفلسطينيّ الذين كانوا قد تلقَّوا مكالمة، من ليان حمادة   ( 14 عامًا ) ابنة خالها،قبل مقتلها، التي ذكرت أنّ دبّابة إسرائيليّة قد أطلقت الرّصاص على سيّارتهم.و قد تبيَّن لأفراد الهلال الأحمر،بعد اتّصالهم، أنّ هند رجب ما زالت على قيد الحياة في السّيارة،بين جثث أقاربها،و هي مصابة و تبكي و تستغيث، و تحاصرها الدّبابات الإسرائيليّة التي لا يتوقّف قصفها.و قد حاول أفراد الهلال الأحمر التّخفيف من رَوعها     و تهدئتها، و الاستفسار عن حالها، و انّهم آتون لنجدتها.ثمّ انقطع الاتّصال مع هند رجب، و مع أفراد الأحمر الفلسطينيّ الذين هَبُّوا لنجدتها.و في يوم10  فبراير 2024، أيْ بعد اثنَي عشر يومًا،تمّ العثور على سيّارة هند و أقاربها جثثًا هامدة،و على بضعة أمتار سيّارة الهلال الأحمر الفلسطينيّ المقصوفة، و بداخلها جُثَّثَي المُسعفين: يوسف زينو وأحمد المدهون.  

فيلم ( صوت هند رجب )...البدايات و الإنجاز

تذكر مخرجة الفيلم،كوثر بن هنيّة، أنّها حين استمعتْ إلى تسجيل صوتيّ لهند رجب، و هي تتوسّل و تطلب المساعدة،هزّها هَولُ ما سمعت فاتّصلت بالهلال الأحمر، و طلبت السّماح لها بالاستماع إلى التّسجيل كاملًا.و بعد استماعها لهذا التّسجيل،و كانت مدّته حوالي 70 دقيقة قويّة و مؤثّرة، شعرت بشيء ما فأدركتْ،حينئذ، أنه من واجبها تجميد كلّ أعمالها، و إنجاز هذا الفيلم.وتقول كوثر بن هنيّة متحدّثةً عن فيلمها: « جوهر هذا الفيلم بسيط للغاية: طفلة تبكي طلبًا للمساعدة،و لا أحدَ يستجيب.و هذا الألم يُقلقنا جميعًا ».و تضيف قائلة:   « إنّ قصّة الفيلم لا تقتصر على غزّة فحسب،و لكنّها تخاطب الضّمير العالميّ،و هي تُثير حزنًا عالميًّا.و السّينما قادرة على حفظ الذّاكرة،و مقاومة النّسيان.فَلْيُسمَعْ صَوتُ هند رجب».

و سيتمّ العرض العالميّ الأوّل لهذا الفيلم،و مدّته 89 دقيقة، في المسابقة الرّسمية، في مهرجان فينيسيا السّينيمائي بإيطاليا، يوم 3 سبتمبر 2025.و قد تمَّ ترشيحه لنيل جائزة الأسد الذّهبيّ.و يقول ألبيرتو باربيرا Alberto Barbera، و هو المدير الفنّي

لمهرجان فينيسيا، إنّ هذا الاختيار يؤكّد وَعي هذا المهرجان السّينيمائي، و دعمه لغزّة، و يعكس موقفه الإنسانيّ، تجاه الأوضاع في هذه المدينة.و ردًّا على الذين دَعَوا إلى مقاطعة الفيلم قال ألبيرتو باربيرا: « إنّ مهرجان فينيسيا، ما هو إلّا مؤسّسة ثقافيّة إيطاليّة، و فضاء منفتح و منصّة للحوار، و ليس من وظيفته ممارسة أيّ نوع من أنواع الرّقابة.و وظيفة هذا الفيلم هي إبراز الحالة الإنسانيّة المؤلمة للضّحايا،في غزّة، و في مقدّمتهم الأطفال ».

و قد ساهمت في إنتاج هذا الفيلم،شركات إنتاج عالميّة،و شخصيّات فنّية مشهورة، و بعض نجوم السّينما من هوليود، و كندا و المملكة المتّحدة.و هذا الاهتمام العالميّ بهذا الفيلم له دلالته و وَزنه، و سيكون له،بلا شكّ، ما بعده.و لكنّه،في اللّحظة الآنيّة، قد حقّق هدفًا كبيرًا، إذْ جعل ( صَوت هند رجب ) صوتًا مُسْمِعًا، عابرًا للقارّات، نكايةً في جنود الاحتلال الإسرائيليّ الذين أَحْيَوه و أنعَشوه، حين خَنقُوه و قَتلوه.و هذا المعنى نفسه، هو الذي تشير إليه السّيدة وسام حمادة،والدة هند رجب حين تقول: « لا شَيء يُمكنه أنْ يخفّف من جرح فقدان ابنتي، و لكنّي أشعر بالقوّة، لأنّ صوتها ستتردّد أصداؤه في العالم ».

 أسباب الاهتمام العالميّ بالفيلم

إنّ سبب هذا الاهتمام العالميّ بالفيلم، إنّما مردّه إلى موضوعه و محتواه.و يمكن تفصيل هذا الأمر في سببين اثنتين: أحدهما جَليّ و الآخر خَفيّ.فأمّا السّبب الجَليّ فخلاصته أنّ   ( صَوت هند رجب )، يتناول الوَضع المَهُول الذي تحياه الطّفولة،في غزّة، و ما تتعرّض له من خَوف و رعب، و تهجير و تجويع، و تدمير وحشيّ، و قتل همجيّ، يجعل أجسادها الهشّة تتطاير أشلاءً، بفعل القنابل و القصف، أو تتساقط أمواتًا،بفعل التّجويع، كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة.و أمّا السّبب الخَفيّ لهذا الاهتمام العالميّ، فمردّه إلى مفهوم الطّفولة و مكانتها،و حُرمتها في الضّمير الجمعيّ الإنسانيّ، و ما تمثّله في وعي الإنسانيّة الظّاهر من معانٍ عميقة و أفكار،و ما تدلّ عليه في وعيها الباطن من صُوَر جميلة و إيحاءات.فهذه الطّفولة البريئة، إنّما خُلقت لتَحيا و تعيش، و تنمو كما ينمو الزَّهر و الزّرع، لأنّها استثمار الإنسانيّة و مستقبلها، و أنّ أيَّ اعتداء على هذه الطّفولة،كيفما كان نوعه و طبيعته، إنّما هو اعتداءٌ على الإنسانيّة جمعاء.

و إذا كانت رصاصات جيش الاحتلال، و دبّاباته قد مزّقت الأجساد، و دمّرت المبانيَ،     و صنعت الموت و الخَراب، فإنّ ( صَوت هند رجب ) و صَوت أَتْرابها، قد استعصى على الموت و الفناء، و تردّدت أصداؤه في العالم، و أصبح صوتًا عابرًا للقارّات، تلقّاه النّاس بالقبول، و احتضنوه بالتّعاطف و المواساة، لأنه صوتٌ يخاطب فيهم إنسانيّتهم التي لم تُلوِّثها الدّعاية الصّهيونية، و يَهزّ فيهم ضمائرهم الحيّة التي لم يُخرِّبها الخطاب الصّهيوني، المتحلّل من كلّ الأعراف و الالتزامات، و الذي يهدّد وجودنا و إنسانيّتنا.

و كأنّ هذا الفيلم قد جاء في أَوانه، و في وقته الذي سُطِّر له.و كأنّ هذا الفيلم قد صُمّم ليكون صرخة عالميّة، ضدّ الهمجيّة الصّهيونيّة التي تستمتع بمشاهد الموت و الخراب، و تتلذّذ بإراقة دماء الأطفال و النّساء،في غزّة و في عموم فلسطين 

الجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم

  إذا كان للجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم، كما ذكر ، منذ أكثر من 2400 سنة ، الفيلسوف الصّيني سان تزو   Sun Tzu ، في ك...