05 أبريل، 2021

هل تأكل الحراكَ إيديولوجيّاتُه ؟

الحراك مهدَّد بطغيان الإيديولوجيّات التي بدأت تَسْتَعلن و تَطْفو فوق السّطح هنا و هناك.و المتابع لمسيرات الحراك يلاحظ وجود عناصر و لافتات و شعارات تحاول إشعال فتيل التّناحر السّياسي و إدخال الحراكيِّين في  نفق الإيديولوجيّات المُظلم.و إذا كان من واجب الحراك أنْ يكون متنوِّعًا لأنّ قوّته في تنوّعه فليس من مصلحته البتَّة،و ليس ضمانًا لمستقبله و نتائجه، أنْ يكون مُؤَدْلَجًا Idéologisé.

إنّ الحراك،كما أعلن عن نفسه منذ بدايته، هو فوق الإيديولوجيّات و هو إرادة شعب يستهدف بناء دولة العدل و القانون و إنقاذ الوطن من حَمْأة الرّداءة و الفشل التي يتمرّغ فيها و كلّ محاولة لأدْلَجَة هذا الحراك هي إِيذانٌ بفشله و نهايته.

إنّ إحدى نقاط الضّعف في الحراك قد تكون إيديولوجيّاتُه.و لكنّ هذا الحراك حين يتجاوز إيديولوجيّاتِه،فيُعلِّقها أو يُؤجّلها، فإنّه يكون،حينئذٍ، قد تجاوز ضعفه الذي يحاول النّظام الاستثمار فيه و يكون قد اكتسب،في الوقت نفسه، مناعةً و قوّة و نضجًا.

التّحدي الحقيقيّ خلاصتُه في هذا السّؤال: هل يستطيع الحراك أن يكون فوق إيديولوجيّاته فيصبح ذا مَناعة قويّة و نضج يُؤهّله للقيام بدوره التّاريخي أم يستسلم لشَبَح الإيديولوجيّات و حينئذٍ يبدأ مسلسلُ الحراك الذي تأكله إيديولوجيّاتُه...؟ 

28 مارس، 2021

المثقَّف من هو ؟


من هو المثقَّف ؟

للإجابة على هذا السّؤال،في جُمَل قليلات مُكثَّفات، ينبغي الابتعادُ،قليلاً، عن تعريف أنطونيو غرامشي ( 1891 – 1937 ) Antonio Gramshi الذي يجعل المثقَّفَ العضويّ،كما يسمِّيه، عضوًا متَّصلاً بطبقته اتّصال العضو بالجسد يَمنحها وَعيًا بمهامّها و يَصوغ أفكارها  و يصنع مواقفها من العالم و الأحداث.و المثقَّف العضويّ،عند غرامشي، إنسان لا تتجاوز إنسانيّتُه انتماءه الإيديولوجيّ و طبقته الاجتماعيّة ضيِّقَ الفكر و ضيِّق الفضاء محكومًا بسلاسل طبقته الماركسيّة مَهْووسًا بمصالحها لا يبغي عنها حِوَلاً.

فَمَن هو المثقَّف إذَنْ ؟

المثقَّف هو إنسانٌ ذو انتماءَين كبيرَين لَيْسَا متناقضَين: انتماؤه إلى الوطن و المجتمع الذي يعيش فيه صباحَ مساء و انتماؤه إلى المجتمع الإنسانيّ الكبير الذي يتقاسم معه الإنسانيّة و وحدة المصدر و وحدة المصير.و هو،بهذا الوَصف، ينتمي إلى فضاء الإنسانيّة الواسع و يمارس إنسانيّته كاملةً حرًّا كما خلقه الله متخلِّصًا من كلّ الانتماءات الضّيقة و المطامع و القيود و الأوْهاق...

و المثقَّف صاحبُ موقف و صاحب رؤيا و مجالُ اهتمامه هو النّشاط العقليّ و إنتاج الأفكار و هو مُشارك في الحياة العامّة يُعاني أوضاعَ المجتمع الذي يعيش فيه و يُعاني أوضاع العالم الذي ينتمي إليه بفاعليّة و اقتدار بعيدًا عن السّلبية و الانطواء.

و المثقّف لا يتقلّد مسؤوليّات في الحياة العامّة و ليس خادمًا للسّلطة القائمة أو موظَّفًا عندها أو مُطَبِّلاً لها،و قد يلتقي معها، و ليس مَعنيًّا بثقافة الصّالونات و القاعات المكيَّفة و ثقافة المناسبات و الاستجداء.و تتجاوز اهتماماتُه روابط الأرض و العِرض و البشرة و اللّون و العاطفة و الوجدان و يتولَّى الدّفاع عن القيم الإنسانيّة الخالدة و الإعلان عن مواقفه و إبداء آرائه و تحليلاته في قضايا مختلفة في مجتمعه و في العالم.  

و بهذه الأوصاف يصبح هذا المثقّف ذا هَيبة و حضور متمتِّعًا بسلطة معنويّة فَيفُوز بالمكانة و الاحترام و يكون،حينئذ، مؤهَّلاً لصناعة التّاريخ و المشاركة في جهود البناء و التّغيير 

24 مارس، 2021

فَرّقْ تَسُدْ


( فَرّقْ تَسُدْ ) هو مصطلح سياسيّ و عسكريّ و اقتصاديّ لاتينيّ الأصل Divide et Impera و هو استراتيجيّة تستهدف زرع الخلاف بين عناصر التّكتل الواحد لإضعافه ثمّ استخدام قوّته للتّأثير عليه.و قد يَعني،بصورة أخرى، تَشْتيت قوّة الخَصم،أو العدوّ، و تقسيمه إلى كُتَل و أقسام مُبعثرة غير متّحدة ليَسهُل التّعامل مع كلّ كتلة أو قسم على حِدة و شلّ حركته و القضاء عليه أو تَحْييده.و قد يُقصد بهذا المصطلح،أيضًا، تفريق القوّة التي لم تَتّحِد بعدُ و تمزيقها و مَنعها من التّكتل و الاتّحاد.

و سياسة( فَرّقْ تَسُدْ ) قديمة قدم الإنسان يلجأ إليها المستبدّون و حكومات الاستبداد الذين يَحتكرون السّلطة كما يلجأ إليها الاستعمار،و جهاتٌ عديدة، للقضاء على كلّ مقاومة تهدّد مشروعهم أو خطر يهدّد وُجودهم.

إنّ سياسة ( فَرّقْ تَسُدْ ) سلاح قديم مضمون النّتائج في بعض الأحيان و هو،أيضًا، سلاح فتّاك يستثمر كلَّ شيء و لا يمتنع عن الاستثمار في أيِّ شيء و هو سلاح قليل الكُلفة و الجُهد مقارنةً بأسلحة أخرى و جهود.

و تعتمد سياسة ( فَرّقْ تَسُدْ ) للقضاء على الخصم و القوّة المنافسة على مجموعة من الوسائل و الآليات منها الحرب النّفسية و نشر الشّوائع و الأكاذيب و الأوهام و تعميم الكراهية و الشّكوك بإشعال فتيل الطّائفية و الجهويّة و تضخيم الخلافات الدّينية و العرقيّة و تذكية الصّراع الإيديولوجيّ و الصّراع حول اللّغة و الهويّة...

و قد تلجأ سياسة ( فَرّقْ تَسُدْ ) إلى توسيع دائرتها و بَسط نفوذها متوسّلةً بوسائل أخرى كصناعة الولاءات و شراء الذِّمم و التّأييد الصّامت أو النّاطق عن طريق مَنح المناصب و العناوين و توزيع الأموال و الغنائم و الامتيازات على شخصيّات داخل القُوَى المُراد هَدمُها و تَفْتيتها أو خارج هذه القُوَى و تتولَّى هذه الشّخصيّات جميعًا مُهمّات التّرغيب و التّرهيب و الحرب النّفسية و الكذب و زرع الشّكوك و توسيع هوّة الخلافات...

و السّؤال هو: هل تنجح سياسة ( فَرّقْ تَسُدْ ) دائمًا ؟

هذا الأمر و الجواب عليه يتوقّف على مجموعة أمور في مقدّمتها موقفُ الجهة المقابلة المُراد تفريقُها و تمزيقُ وحدتها و فَهْمُها لما يُراد لها.فلا تستطيع هذه السّياسة،مثلاً، أنْ تحقّق أهدافها إذا كانت القوّة المُستهدفة تتوفّر على شخصيّات ذات سلطة معنويّة تحظى بالاحترام و التأييد الواسع و تملك الوعي الكافي و القدرة الظّاهرة على التّصدي لهذه السّياسة بذكاء.و أوّل مظاهر هذا الوعي و القدرة هو مُسارعتُها للتّوحد و التّكتل بأيِّ شكل من الأشكال،مقاوَمةً لهذه السّياسة أو مُجاراةً لها، للتّخفيف من آثار هذا الهجوم النّفسية و الواقعيّة و الآنية أو المستقبلية.



20 مارس، 2021

الصّلاة على النّبي


يومُ الجمعة و ليلتُها من الأوقات التي يُستَحبّ الصّلاة فيها على النّبي محمّد صلّى الله عليه و سلّم.و كلّما ذكرتُ هذا الموضوع أسْتَعيد مشاهد جميلة حين كنّا نجتمع يوم الجمعة بعد صلاة العصر،في مسجد الحيّ،في مَعيِّة ثُلَّة من آبائنا من كبار الحيّ و الشّيوخ رحمهم الله مُتَحَلِّقين و مَرتِّلين بصوت عَذْب و في نغمة حُلوة و إيقاع جميل الصّلاةَ على الحبيب المصطفى صلّى الله عليه و سلّم مدّة ثُلُث السّاعة أو تزيد.

و كان الأطفال يَلتحقون بنا،مُتسابقين، بثيابهم البيضاء الجميلة و ضحكاتهم البريئة.و يتزيّن المسجد زِينةً أخرى ،في هذا الموعد الجميل، فتَغمره الرّوائح الطّيبة و تكْسُوه النّظافة الظّاهرة و تَغشاه السّكينة و الهدوء...كلّ أولئك كان يُعطي لهذه الجَلسة الرّوحية،عصر الجمعة، مِيزة خاصّة و نكهة خاصّة و أيّ نكهة !

و كلّما ذكرتُ هذا الموعد اشتاقت روحي إلى تلك الأرواح الجميلة التي كانت تلتقي في ذلك الموعد الجميل فتَزْهُو بذكر المصطفى عليه الصّلاة و السّلام و تَنْتَشي بحبّه فترتفع هنالك،لحظةً أو لحظات، إلى تلك المقامات العُلَى تُطِلّ منها على سدرة المُنتَهى أو تكاد.

و إنْ نَسيتُ فلن أنسَى ذلك الشّعور الغامر الذي كان يسكُن جوانحي و يَملأُني فما يُبْقِيني و يُظْهرني و يُجْلِيني و يَهَبُني و يُعطيني...أيّامًا و ساعات،بعد هذا الموعد الجميل، و إنّي لأحِنّ إليه،اليوم، كما يَحِنّ الفاقد المُعَنَّى إلى جميل ما فَقَد.و  إنّ مِثْل هذه الكلمات لقاصرة عن وَصف ذلك الشّعور أو تفسيره و مِن واجب اللّغة أنْ تَقِف عند هذا الحدّ لأنّها عاجزة،في هذا المقام، عن الإحاطة بهذا المعنَى بعضِه أو نصفه أو ثُلُثه لأنّه أمر يَجيء مِن وراء  الحدود و الرّسوم و الإرادات 

الجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم

  إذا كان للجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم، كما ذكر ، منذ أكثر من 2400 سنة ، الفيلسوف الصّيني سان تزو   Sun Tzu ، في ك...