زهران_ممداني فاز،في
انتخابات عمدة نيويورك، لأنه ابن المدينة التي كان عضوًا في مجلسها، و في هيئتها
التّشريعيّة، لعهدتين اثنتين متواصلتين، منذ 2020.و قد رأى سكّان نيويورك،بتصويتهم
الحرّ ،أنّه أَجدر بمنصب عمدة نيويورك من غيره، لأنّ له برنامجًا طموحًا لتحسين
واقع حياتهم اليوميّة،و الدّفاع عن قضاياهم المُلحّة.و قد ركّز زهران ممداني،في
حملته و وُعوده الانتخابيّة، على مكافحة غلاء المعيشة، و تحسين الأحوال
اليوميّة لسكّان نيويورك،و حلّ مشاكلهم، و على حقّهم في المواصلات و النّقل العامّ،
و حمايتهم من عمليّات الإخلاء التّعسفي.و وعد بالاعتناء بقضايا الأمومة، و رعاية
الأطفال، مقترحًا توفير حضانة مجّانية عامّة،لجميع الأطفال، من سنّ ستّة أسابيع
إلى خمس سنوات، و تزويد عائلاتهم، بـمستلزمات الأطفال المختلفة...هذا هو أحد
العوامل الأساسيّة، في فوز زهران ممداني، في هذه الانتخابات.
أمّا العامل الأساسيّ الآخر،في ظنّي،
الذي أحدث القطيعة، و جعل هذا الفوز ممكنًا، فهو ذو شقَّين.أمّا الشّق الأوّل
فينبغي البحث عنه في سياسات دونالد ترامب، و في كلّ ما فعله،في عهدته الأولى، و ما
حصل فيها من تجاوزات،و اقتحام لمبنى الكابيتول،مقرّ الكونغرس الأمريكي، و ما يصنعه،في
عهدته الثّانية، من سياسات تقوم على الكراهيّة و العنف، و الازدراء و التّمييز، و مطاردة المهاجرين،
و احتجازهم و ترحيلهم، و محاصرة الجامعات و التّضييق عليها، و إنزال الجيش إلى
المدن لمواجهة « العدوّ الدّاخلي »، و تهديد التّعايش السّلمي، و تهديد السّلم المجتمعيّ...و أمّا الشّق
الثّاني، في هذا العامل الأساسيّ الذي سهّل فوز زهران ممداني، فيتعلّق
بشخصيّة منافسه،أندرو كومو، المدعوم من إدارة ترامب، و من غيره من ذَوي السّلطة و المال.و قد
دخل هذه الانتخابات،
و هو مُثْقل باتّهامات التّحرش الجنسيّ، و
الاعتداءات الجنسيّة، و إساءة استخدام
المال العامّ.
زهران ممداني،إذن،
فاز،في انتخابات عمدة نيويورك، ليس لأنه رجل مسلم في مؤسّسة سيّاسية أمريكيّة، إذْ لا علاقة لهذا الفوز،البتَّة، بدينه و إسلامه، كما يحبّ أن يتوهّم بعض الطّيبين،و هو نفسه لم يلتفت إلى
مواضيع الهويّة و الانتماء، في حملته الانتخابيّة.إنّ فوز زهران ممداني، كان نتيجة صراع بين رؤيتين مختلفتين، لإدارة مدينة نيويورك، و ليس نتيجة صراع بين حضارتين أو ديانتَين.
فوز زهران ممداني: هل له علاقة ما بالإبادة الجماعيّة في غزة ؟
فوز زهران
ممداني،في انتخابات عمدة نيويورك: هل له علاقة ما
بالإبادة الجماعيّة في غزّة و ما يحدث في فلسطين ؟ الجواب نعم و لا في الوقت
نفسه.و توضيح هذا الأمر، أنّ الإبادة الجماعيّة،في غزّة، و تداعياتها المختلفة،في
عموم أمريكا، و التّواطؤ الرّسمي الأمريكيّ، و المواقف الرّسمية من الإبادة،في
عَهدي بايدن و ترامب، و مظاهرات الرّفض و الشّجب التي عَمّت قطاعات المجتمع
الأمريكي و الجامعات، و مستويات الوعي التي أنضجتها مشاهد هذه الإبادة المروّعة، و
الهزّات النّفسية و الفكريّة التي أحدثتها،و نوعيّة المواقف الشّعبية،تضامنًا و تنديدًا،
بما يحدث في غزّة و في فلسطين....كلّ
هذا النّسيج و المزيج قد ساهم،بنَصيب ما أو أنصبة ما، في جعل هذا الفوز ممكنًا،و
لكنّه لم يكن عاملاً حاسمًا، في تحقّقه و ثبوته.
و يمكن القول،بأنّ انتخاب زهران ممداني، عمدة لمدينة نيويورك، يمثّل إرادة التّجديد و التّغيير، لدَى سكّان المدينة،و هو،في الوقت نفسه، تصويت عقابيّ،
لا تَخفى أسبابه و دواعيه.
الخلاصة
بعد هذا العرض،و
قبل مغادرة هذا المقام، يتعيّن تسجيل فكرة خاتمة، خلاصتُها أنّ شخصيّة زهران
ممداني القويّة، و امتداداته الفكريّة، و انتماءاته المختلفة، و لغاته الأربع التي
يتحدّث بها: الإنجليزية و العربيّة، و الهنديّة و الإسبانيّة، و
مجموع التّحديات التي واجهها،و أنضجته، داخل المؤسّسات الشّعبية و الرّسمية، و معرفته
للنّسيج البشريّ، في مدينة نيويورك، و مشاكله و احتياجاته و مطالبه، و الاحتضان
الشّعبي الذي رافق حملته الانتخابيّة، و صنع فوزه التّاريخي...كلّ أولئك قد
يكون عونًا له في مهامّه الجديدة،في نيويورك، هذه المدينة العالميّة،ذات التّنوع الثّقافي، و ذات التّعدّد
في الألوان و الأذواق و الشِّيات.و لكنّ هذا الفوز،في ظلّ إدارة ترامب المتصهينة،
سيجعله « غرضًا مشروعًا »
يُرمَى، و هدفًا لكلً أنواع الأذى و التّضييق، و الأكاذيب و الاتّهامات...و هذه الضّريبة،لا
شكّ، أنّه قد استعدّ،قَبْلاً، لدفعها و تحمّلها.