18 أغسطس، 2021

جمال بن اسماعيل...


 قُتل جمال بن اسماعيل و هو في عقده الثّالث يفيض حبًّا و حياةً و يتدفّق حركة و عطاءً و يَنضح طموحًا و آمالاً...قُتل جمال بن اسماعيل مظلومًا مغدورًا قِتلة بشعةً همجيَّة قد تتجاوز في بشاعتها و همجيّتها جرائم كبار السّفاحين و الهَمَجيِّين في العصر الحديث...

كيف كان شعورك،يا جمال، و أنت في وسط هذه الحشود المتوحِّشة التي التفّت حولك بالضّرب الحاقد و الدَّوْس و العَفْس و السّب اللاّذع و الإهانات و الاعتداء المسلَّح المُميت...كأنّهم تلقَّوا دعوة أو كانوا على موعد سابق أو اتّفاق.و كيف كان شعورك،يا جمال، و أنت تواجه هذه الحشود الهَمجيّة في قوّة و ثبات بما بَقِي في صدرك مِن نَفَس يتردّد و صَوت و كلمات مُعلنًا براءتك متكبِّرًا على حقدهم و وَحشيّتهم و همجيَّتهم...

و كيف كان شعور هذه الحشود المتوحِّشة التي لم يُشْبِع حقدَها موتُك فالتفّت،مرّة أخرى، حول جسدك الطّاهر تمزّقه و تَنْهَشه كما تَنهش الضِّباع لَحْم فريستها ؟ و كيف كان شعور هذه الحشود الهَمجيّة،و هي تتصايح كالضِّباع، و تتنادَى للتّمثيل بجُثّتك الهامدة أبشع تمثيل و التّلذذ بمشهد جسدك الطّاهر و هو يحترق ؟

لقد تمّ اختيارك،يا جمال، لأنْ تُقتل.و لقد كنتَ « مُبرمَجًا » لأنْ تُقتل بهذه الطّريقة الهمجيّة التي لم يُفعل مثلها في البلاد.

و لكن لماذا قُتل جمال بن اسماعيل هذه القِتلة الهمجيَّة ؟

قُتل جمال هذه القِتلة الهمجيَّة لأنه يمثّل جدار التّضامن الوطنيّ الذي يُراد له أن يَسقط و لكنّه لم يتساقط بعدُ.و يمثّل هذه الرّوح الجزائريّة المشتعلة التي تَهُبّ في وقت الشّدائد و الطّوارئ إلى التّعاون و التّآزر و التّكاتف و التّعاضد و التّعاطف و المواساة كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائر الجسد بالسَّهر و الحُمَّى...

قُتل جمال هذه القِتلة الهمجيَّة لأنه يمثّل صخرة الوحدة الوطنيّة التي تنكسر عندها كلّ أمواج الضّغائن و الأحقاد و محاولات التّفرقة و التّقسيم و كلّ مخطّطات الفوضى و الخراب و سيناريوهات الدّماء و الأشلاء و الدّموع و الأحزان...

قُتل جمال هذه القِتلة الهمجيَّة لأنه رمزٌ لهذه الجزائر المُثْخَنة بالجراح و المُثْقلة بالسّلاسل و الأوهاق و لكنّها تتأبَّى،دائمًا، على السّقوط و تَستَعصي،أبدًا، على الانكسار.

قُتل جمال هذه القِتلة الهمجيَّة لأنه مِثال لهذه الرّوح الجزائريّة المؤمنة التي تفيض إيمانًا و حركة و اشتعالاً...هذه الرّوح المؤمنة التي تحبّ الوطن و تغنّي للوطن لأنّها تعلم أنّه من الإيمان حبّ الوطن.هذه الرّوح المؤمنة التي تحبّ الحياة و تتشبّث بالحياة و تنتعش بالأمل و تتطلّع إلى الغد الجميل رغم الظّروف القاسية و رغم كلّ الطّوارئ و النّوازل و الأزمات و العداوات...

و السّؤال الذي يبقى قائمًا مُلحًّا يطلب إجابته هو: من قتل جمال بن اسماعيل ؟ و من « بَرْمج » مَوته و هيّأ الأدوات الحاقدة المتوحِّشة لتنفيذ هذه الجريمة الهَمَجيّة ؟

نَمْ هنيئًا يا جمال فإذا لم تَنتقم لك عدالة الأرض فإنّ الله الذي حرّم الظّلم على نفسه سينتقم لك اليوم قبل الغد.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم

  إذا كان للجغرافيا و التّضاريس، بُعد أساسيّ في الحرب و السّلم، كما ذكر ، منذ أكثر من 2400 سنة ، الفيلسوف الصّيني سان تزو   Sun Tzu ، في ك...