20 فبراير، 2026

أكفان ناعمة و لَحْد من ورق

 

عرفتُ مريم نور اليقين، قبل أن يصلني مولودها الفنّي الأخير.عرفتها في القاعات و المحاضرات، و في الامتحانات أيضًا.و قد لفتت انتباهي، بجملة من الأوصاف تَحُوزها، و الخصائص.و من بينها، لغتُها ذات الدّلالة و المستوى، و أجوبتها المتميّزة. و كذلك لفتت انتباهي بمجموع أفكارها، في النّقاش الذي كنت أفتحه مع الطّلبة، و في إبداء المواقف و الملاحظات.

و مولودها الفنّي الأخير: ( أكفان ناعمة و لَحْد من ورق ) ، هو تأكيد لهذا الانطباع الأوّل، و تجسيد لقدرتها على الكتابة الإبداعية ، و امتلاكها للنَّفَس الطّويل الذي يؤهّلها لأن تكون قلمًا جادًّا واعدًا، و صوتًا نديًّا مُسْمعًا.

و ( أكفان ناعمة و لَحْد من ورق ) هي مجموعة خواطر، أو هي مجموعة آلام و جُروح تتنفّس وَجَعًا،كما جاء في وصف هذه المجموعة، أرادت لها صاحبتُها،كما تقول، أنْ تُكفّنها بالكلمات،الأكفان النّاعمة، و أنْ تُودعها في صفحات، و تُشَيّعها إلى لَحد الورق، مثواها الأخير بلا قيامة أخرى.

 و إذا كانت الخاطرة هي فنّ أدبيّ، معنيٌّ بتسجيل اللّحظات الشّعورية الفائقة، و أدواتُ بنائه هي التكثيف اللغوي الذي يُظهر فَيْض المعنى و عمقه، و يُنشئ الوَقْع و التّأثير، و يرسم الظّلال، و يصنع الإيحاء...مضافًا إليها يقظةُ الوجدان، و التّدفق العاطفي، و الصّور الفنّية، و الخيال الخصيب...إذا كانت هذه بعض أسس الخاطرة، و أدوات بنائها ، فإنّ مريم نور اليقين، قد حازت منها على نصيب وافر، و فازت بحظّ ظاهر.و لكنّها،في المقابل، هي معنيّة أكثر بقراءة ما تيسّر من الخواطر و القصص، عند الكاتبين الكبار، لشَحذ أدوات الكتابة التي تمتلكها، و تثبيت قدرتها في هذا الفنّ التي تحبّه و تمارسه، وتحقيق الإبداع فيه، و التّفوق و السَّبق.

و هذه الهِمّة حين تتحقّق،و مريم جديرة بتحقيقها، هي التي تؤهّلها لامتلاك ناصية الكتابة التي تحبّها،كما تقول في خواطر الأكفان النّاعمة، و هي التي تَفتح لها،حينئذ، أبوابًا من الفهم و الوعي، و الاكتمال و النّضج الفنّي، يجعل كتابتها تنتقل من حال إلى حال، و تتزيّا،كالحَسناء، في كلّ إطلالة جديدة و موعد بثوب جديد، لأنّ الكتابة الفنية ،كيفما كانت، هي تجدّد و تطوير، و مراتب و مقامات، و صعود و ارتقاء، و هي أنواع لا تَبْلَى، و ألوان لا تَفنى من الجمال و الإبداع.

مريم نور اليقين...

لقد سعدتُ بقراءة خواطرك، و استمتعت بتقليب صفحاتها، و الامتلاء بشِحنتها الشّعورية.و إنّي لأتوسّم فيك الخير، مؤمّلاً أن يكون لهذه الخواطر ما بعدها، و أن تكون لك قَدَم ثابثة في هذا الفنّ الجميل، و أن يكون لك اسمٌ و رَسمٌ، في عالم الكتابة و الإبداع، عالم الشّفافية و الأبديّة و الخلود.


أكفان ناعمة و لَحْد من ورق

  عرفتُ مريم نور اليقين، قبل أن يصلني مولودها الفنّي الأخير.عرفتها في القاعات و المحاضرات، و في الامتحانات أيضًا.و قد لفتت انتباهي، بجملة من...